19- مسيلمة الكذاب

طبعًا اتأخرت عشان البارت طويل 😁

ورسالة لأي حد بيهددني يمسح القصة عشان أنا بتأخر، امسحها 🤷🤭

رواية أربعة في واحد - الفصل 19 -  مسيلمة الكذاب

انفتح باب منزل هشام ودخل أمين بتريث ثم خلع المفتاح من الباب وأعاده لجيب معطفه ثانيةً، نظر لصالة البيت الهادئ مع معرفته أن في ذلك الوقت تكون ليلى في غرفتها وزوجته في المطبخ وهشام يذاكر في غرفته، أغلق الباب خلفه وخلع حذائه ولم يلبث أن صاح على هشام بعلو صوته ولم تمر نصف دقيقة قبل أن ينفتح باب غرفة هشام ويخرج منها وهو يعدل من نظارته بابتسامة مرحبة

"أيوة يا بابا، حمد الله على السلامة."

ابتسم أبيه بالمقابل وربت على كتفيه "الله يسلمك يا حبيبي، بتذاكر صح؟"

"آه يا بابا، بس قربت أخلص يعني .."

"اومال فين أصحابك؟ مابقوش ييجوا ليه؟"

قلب هشام عينيه على سيرة ثلاثتهم لكنه لا يستطيع التفوه بأي شيء يسيئ لهم أمام أبيه خاصةً بعد أن أخبره من قبل بكم ما يمتلكونه من تهذيب واحترام، هذا قبل أن يعرف بأنهم والعياذ بالله.

"عادي بنتقابل في الجامعة وساعات بنروح عند أدهم أو قيس،" أجاب فرمقه والده بصمت لدقيقة وسأل بنبرة متشككة "أنت متأكد إنهم كويسين يا هشام؟ أنت عارف يا ابني اليومين دول الشباب بقوا عاملين إزاي."

شعر بالضيق وابتلع لعابه وصمم على موقفه قائلًا بأنهم مهذبون كثيرًا؛ فماذا سيخبر والده؟ كان يصادق ثلاثة من قوم لوط؟

"هما فعلًا باين عليهم ولاد ناس، رغم إن الولد اللي اسمه قيس ده شكله مريب شوية، أنت إيه رأيك فيه؟"

الغيظ اعتلى صدره على ذكر سيرة قيس تحديدا وعض على شفتيه مانعًا نفسه بالكاد من أن يسب قيس الآن ثم حمحم وآثر إكمال تلك الكذبة؛ فهو ما زال لا يريد أن يظهر بمظهر الكاذب أمام والده

"ده قيس ده مؤدب جدًا يا بابا، حتى السيجارة مابيشربهاش وكل حياته من الجيم للجامعة للبيت، يعني مش عيل من العيال الصيع بتوع اليومين دول."

ابتسم أمين وربت على كتفه وهو يقول "طب الحمد لله، أنا كنت بحاول أوقعك بالكلام بس عشان أعرف أخلاقه بس ما دام محترم كده يبقى على خيرة الله."

عقد هشام حاجبيه بدون فهم واستفهم "على خيرة الله في إيه بالظبط؟"

"أصله كلمني وطالب أيد أختك وخد معاد بعد بكرة عشان يجيب أهله."

شعر هشام بدلوٍ بارد من المياه يُسكَب فوق رأسه بعد أن بدأ يستوعب كل شيء الآن، بدأ يفهم لماذا ذلك الغبي كان يخبره بأنه يحبه وسيصبحان أكثر من أصدقاء وسارع بالنفي فورًا "ده صايع وواطي."

توسعت أعين والده فأكمل الآخر "ده قذر، أقذر بني آدم شوفته في حياتي .. مش هو ابن ناس صحيح وساكنين في زايد؟ بس وربي أخلاقه أخلاق عيل سرسجي ساكن في بولاق الدكرور."

رمقه والده بدون تصديق فأكمل "قيس ده المفروض ماكانوش يسموه قيس، كانوا المفروض يسموه تيس، لأنه غبي وماشي ينطح في اللي حواليه."

ثم اقترب وأمسك بذراع والده وترجاه "أنت تتصل بيه تشتمه دلوقتي وتقوله ما عندناش بنات للجواز، ماشي يا بابا؟"

"لا مش ماشي، أنت كنت قاعد تقول فيه أشعار من شوية وأتحولت أول ماعرفت إنه متقدم لأختك وأنا مش مصدقك ثم إن الولد كان في منتهى الذوق معايا وقالي إنه مارضيش يفاتحك في الموضوع عشان خايف إنك ترفضه وتشوه سمعته قدامي وقدام أمك وطلع معاه حق ... أنت غيران على أختك إكمنه صاحبك وهيتجوز أختك."

توسعت أعين هشام ونفى برأسه بهلع "لا والله يا بابا أنا بقولك الحقيقة، ده حتى ذوقه زبالة ومابيحبش غير البنات المعفنة والستات المطلقة."

"ولما هو ذوقه زبالة جاي يتجوز أختك ليه؟ تصدق إنك ولد قليل الأدب عشان أنت كده بتغلط في أختك بطريقة غير مباشرة!"

" يا بابا حرام عليك أبوس أيدك صدقني، ده صايع وماشافش بنص جنيه تربية!"

"ماشافش بنص جنيه تربية؟ تصدق إن شكلي أنا اللي فشلت في تربيتك، عشان لأول مرة بكتشف إنك كداب وغير أمين، لما تكذب عليا وتشوه سمعة صاحبك اللي دخل البيت من بابه وعمل لك إحترام يبقى أنت اللي ماشوفتش بنص جنيه تربية."

فقد هشام أعصابه وصرخ على والدته بعلو صوته وهو يدبدب على. الأرض بقدميه "يا ماما تعالي الحقينا يا ماما، شوفي البلوة اللي إحنا فيها."

خرجت والدته من المطبخ تمسح عينيها عن آثار البكاء فأكمل والشرر يتطاير من عينيه "قيس القذر متقدم لليلى، وبقول لبابا إنه صايع مش مصدقني."

توقفت والدته عن البكاء وعلقت عينيها عليه بذهول وتساءلت "قيس؟"

فأجاب "أيوة هو الزفت قيس."

"اللي هو طويل وشعره ناعم وبعضلات وطبع حسن خفيف في دقنه ده وأبيضاني شوية وأملس وعنده عربية وأبوه صاحب المصنع اللي أنت شغال فيه؟" استفهمت فأومأ "هو الحيوان، هو."

فوجئ بها تزغرد بعلو صوتها فجحظت عينيه ونظر لها بصدمة "أنتِ بتزغردي! بقولك حيوان!"

تجاهلته والدته ورفعت يدها إلى السماء متوجهة بكلامها إلى الله "أحمدك يا رب إنك استجابت لدعايا عشان أقهر محمود وأمه."

خرجت ليلى تنظر لهم بدون فهم "هو مين اللي بيزغرد؟" فاقتربت منها أمها بملامح متهللة واحتضنتها عميقًا وهي تجيب "أنا اللي بزغرد، أصل جايلك عريس."

"ولا عريس ولا زفت، على جثتي تتجوز الحيوان ده،" صرخ هشام حتى كادت حنجرته تنفجر بينما طالعتهم ليلى بأعين حائرة

"عريس مين؟" همست بخجل فسارعت أمها بالإجابة "قيس صاحب أخوكِ، طول بعرض وقمر وابن ناس وغني ومؤدب ومهذب، ربنا عوضنا الحمد لله."

خرجت أعين هشام عن محاجرهما وصرخ "مؤدب ومهذب؟ ده معاه دكتوراة في قلة الأدب والهمجية!"

"بس ياض، ماتتحشرش أصلا، أنا وأبوها موافقين، يلا وياريت يكتب الكتاب الشهر الجاي أنا ماعنديش أي مانع،" زجرته أمه وشعر بقلبه وكأنه سيتوقف في أية لحظة،

قيس؟ قيس الغبي الهمجي السافل قليل الحياء والدين سيتزوج بأخته هو؟ ومن نظرات أبيه وأمه يبدو أن هذا فعلًا ما سيحدث! فهما يبدوان مرحبان جدًا بالموضوع ولا يصدقان ما يقوله! ماذا يفعل الآن؟

نظر لليلى فوجدها صامتة لا تعطي ردة فعل، وهو فورًا شعر بأن ليلى هي السبيل الوحيد للخلاص من تلك الزيجة، سيخبرها بماضي قيس القذر وهي ستشمئز منه وترفضه؛ فليلى مؤدبة ومحترمة ولن تقبل بالزواج من هذا الوغد الذي يتجول خلف المطلقات والأرامل ويعاكس الشغالات.

اشتعل الغضب في رأسه أكثر، قيس الذي يعاكس الشغالات سيتزوج بشقيقته الوحيدة؟ وسيصبح صهره؟ وبينهما صلة نسب؟ وأولاده سيقولون له يا خالي؟ على جثته أن تتم هذه الزيجة.

"يعني ده آخر كلام عندكم؟ هتجيبوه برضه؟" نطق من تحت أسنانه وهو يشدد على فكيه فتجاهلته أمه وأومأ أبوه "أيوة، عشان تبقى تكدب كويس."

علق عينيه على ليلى فأعطته نظرة متوترة وشبكت يديها أمام خصرها فهرول نحوها وأمسك بها من ذراعها ولم يسيطر على نفسه وصرخ "بت، الواد ده قالك إيه بالظبط لما كان بيوصلك بعربيته؟"

توسعت أعين والده وتقدم منه "إيه؟ سمعني تاني كده أنت قولت إيه؟ يوصلها بعربيته؟ لوحدهم؟ وأنت سيبته يوصل أختك لوحدهم؟"

هرع هشام بالتبرير بعد أن أدرك الورطة التي وضع نفسه بها "يا بابا ده كان ساعة السيول وهي كانت محبوسة في هايبر! اتصلت بيه عشان هو ساكن قريب فراح جابهالي الجامعة!"

الغضب اعتلى صدر أمين أكثر وسأله بطريقة مهددة متوعدة "يوم السيول اللي أنا قولتلك تروح معاها فيه؟ سيبتها تروح لوحدها وكانت محبوسة لوحدها في هايبر؟"

رفع هشام يده ليضرب جبهته بيديه وهو يغمض عينيه بشدة ضاغطًا على أسنانه ولاعنًا قيس في عقله أكثر؛ فهو سبب كل هذا

"يعني أنا بربي وأكبر بقالي أربعة وعشرين سنة، عشان أكتشف إن ابني كداب وبيضحك عليا وبيسيب أخته تمشي لوحدها وفوق ده كله بيسوء سمعة صاحبه اللي ساعده وراح جابله أخته؟ أنا مصدوم فيك، اجري غور على أوضتك مش عايز أشوف وشك دلوقتي،" صرخ أمين في وجهه وأشار له بالتحرك

نظر هشام لثلاثتهم وكان سيفتح فمه لكن أمين كرر بتهديد "والله لو ما اختفيت من وشي دلوقتي هتبقى ليلتك سودة، ابعد عن وشي دلوقتي أنا الشياطين كلها بتتنطط في راسي ومش طايقك."

أخذ هشام نفسًا عميقًا وصك على فكيه بقوة وهو يزم شفتيه بتوعد وتحرك نخو غرفته ثم صفع الباب خلفه بكل قوته وجلس على السرير يقبض على يديه بشدة وهو يهمس من تحت أنفاسه "والله لأوريك يا قيس الكلب.".

لم يغمض له جفن في تلك الليلة، كان يعد الساعات والدقائق والثواني حتى تأتي الساعة الثامنة وينهض ليتحرك إلى الجامعة ويقابل ذلك الحيوان، رن منبه هاتفه فققز عن السرير وقد كان متجهزًا بملابس الخروج وكان قد صلى الفجر في معاده فلم يحتاج إلا أن يرتدي حذائه ويلتقط هاتفه ليضعه في جيب بنطاله وتحرك للخارج دون الاهتمام بأخذ دفتر المحاضرات أو أي كتاب؛ فاليوم ليس يومًا للمذاكرة بل يومًا للعراك.

وصل إلى الجامعة واتصل بأحمد ليعرف أين هم فأخبره بأنهم يجلسون في المنطقة الفارغة خلف مدرج مئتين وثلاثة فتوجه إلى هناك والشرر يتطاير من عينيه

فور اقترابه وجد قيس يستند على سيارته في حين جلس أحمد على إحدى الأرصفة يشرب سيجارته الصباحية وكان أدهم يأكل من شطيرة في يديه

حرك قيس عينيه له وهو يحك عنقه ويبتلع لعابه بتوتر لكنه ورغم ذلك ابتسم له ابتسامة بسيطة جعلت من هشام يزداد جنونًا وتقدم نحوه بأقصى سرعة وقبض على سترته وشده وهو يزمجر "بقى أنت بقى عايز تتجوز أختي؟"

نهض أحمد بسرعة محاولًا التسليك بينهما بينما قضم أدهم من شطيرته وعلق عينيه عليهم مشاهدًا دون أن يعنى بتلك المشاجرة التي كان يعرف بأنها ستحدث بالفعل

"أنت مش قولتلي إن الجواز نص الدين وإني المفروض أتجوز عشان ألم نفسي؟" تذمر قيس وهو يحاول تخليص سترته الصوفية السوداء من أيدي هشام فصرخ الآخر بغيظ "ومالقيتش إلا اختي تتجوزها؟"

"ما أنت قولتلي نقي واحدة محترمة وبنت ناس!" زمجر قيس هو الآخر فجحظت أعين هشام وتشبث بسترته أكثر "وهي أختي الوحيدة في الكوكب اللي بنت ناس وباقي البنات ولاد كلب؟ لا، أنت قاصد تتجوز أختي تحديدًا عشان تغيظني."

"لا، عشان عجبتني،" ابتسم قيس مستفزًا الثاني أكثر ولم يعي إلا وهشام يعطيه اللكمة الأولى في وجهه، وضع قيس يده على وجهه بصدمة بينما ابتلع أحمد لعابه بقلق وهو ينظر لكلاهما، يعرف أن قيس سريع الغضب ولن يصمت على هذا وأن الشجار سيتحول لقتال الآن، بينما قضم أدهم من قطعة المخلل وهو يكمل المشاهدة

أخذ قيس شهيقًا عميقًا ونظر لهشام بغلٍ مكتوم لكنه تمالك أعصابه وأردف "أنا مش همد أيدي عليك عشان أنت أبو نسب برضه."

أشعل الغضب في هشام أكثر وهجم عليه محاولًا ضربه للمرة الثانية فتصدى له أحمد وأمسك به محاولًا تهدئته مما جعل هشام يصيح

"عاجباك أختي ها؟ يا قذر يا بتاع الشغالات ... أنا سامعك بودني وأنت بتقول إن كل اللي يهمك في البنت جسمها، بقى أنا مدخلك بيتي ومعتبرك رجل وأنت بتبص على أختي يا حيوان؟"

"أختك ايه دي اللي هبص على جسمها! دي لابسة خمار يا ابني! أنا حاولت كتير بس للأسف مش عارف أشوف منها حاجة!" قال قيس محاولًا تصليح الموقف لكنه زاده سوءًا ووجد أحمد يترك هشام ويستدير له ليكتم فمه بيده ويهمس "أنت بتقول إيه الله يخربيتك!!!!"

انفلتت ضحكة من أدهم رغمًا عنه لكنه خبئ فمه بيداه واشتعل هشام جنونًا وتقدم من قيس مقررا ضربه ثانيةً لكن أحمد وقف بينهما وحاول تهدئته

"يا هشام مش قصده، بس هو حمار ما أنت عارفه ... بعدين ده هو معجب باختك والله عشان محترمة وراح كلم باباك ودخل البيت من بابه أهو!"

" وأنا بقى مش موافق، على جثتي الجوازة دي تتم،" صاح هشام بتحدي وهو ينظر لقيس بغيظ فامتعض وجهه وطغى الحزن على شعوره بالغضب وقال باندفاع "ليه؟"

فأجابه الآخر ساخرًا "عشان أنت حيوان، وأنا مش لما أصدق أخلص من الحيوان الأولاني يجيلي حيوان تاني!"

"ما الرجالة كلهم حيوانات يا اسطا! ما هي كده كده هتتجوز حيوان في النهاية! ليه مايبقاش الحيوان ده أنا!" صاح من بعيد فسقط فك هشام ونظر له بدون تصديق

"اسمع ياض أنت، أنت تتصل ببابا تلغي معاه الموضوع ده، فاهم ولا لا؟" هدده فرجع قيس ليستند على ظهر سيارته ونظر له بحنق ثم أجاب بعناد "لا."

"طب تمام، بس ماتبقاش تزعل، وأنا بقولهالك لآخر مرة أهو قدام أحمد وأدهم، جوازك من أختي مش هيحصل."

ابتسم قيس باستفزاز ورفع كتفيه "هيحصل، وماتنساش تلبس بدلة عشان أنا وبابا وماما جايينلكم بكرة، وشكرًا على البوكس يا أبو نسب، أنا مش همد إيدي عليك عشان مايقولوش بس إني ضربت أخو مراتي."

"ابقى قابلني لو ليلى وافقت عليك، أنا هقولها على ماضيك القذر كله،" صاح هشام بالمقابل وهم ليتحرك فأوقفه أحمد "استنى طيب، رايح فين؟"

"رايح في داهية،" بصق بكلماته فنهض أدهم خلفه ولحق به أحمد بينما توقف قيس ينظر له بضيق وبدون رضى، لكنه لم يكن غاضبًا كثيرًا منه حتى بعد أن لكمه في وجهه، تذكر ليلى وقضم شفتيه مانعًا ابتسامة من الظهور، لكن وجهه سرعان ما تجهم من جديد والإحباط خيم على وجهه، ماذا لو رفضته؟

في كلية العلوم كانت ليلة تجلس في زاوية بعيدة من مدرج المحاضرات بجانب رحمة، كلتاهما معلقتان أعينهما على هاتف رحمة المفتوح على الصفحة الشخصية لقيس في موقع الفيسبوك، والتي كان من الساهل إيجادها

"بت، عارفة لو ماقبلتيهوش هقطع معرفتي بيكِ،" قالت رحمة فتوترت ليلى وهمست "هشام رافض! قالي إن قيس ده قليل الأدب."

"ماهو قال على محمود إنه رزل وكان رافض برضه، أخوكِ بيغير عليكِ بس، بعدين ده بالذات ماينفعش يترفض يا ماما! ده بينور في الضلمة!" رفعت رحمة يدها بالهاتف لتضع صورة قيس أمام أعين ليلى فحدقت ليلى لصورته بخجل وحمحمت "بس مش عارفة هو عايز يتجوزني ليه؟"

"أكيد معجب بيكِ، أنتِ مش قولتي إنه كان متضايق لما شاف الدبلة في إيدك؟"

أومأت فأكملت الأخرى "خلاص، واضحة أهي! الواد وسيم وفورمة وغني وابن ناس وبيحبك ده حتى اسمه قيس .. مافيهوش غلطة."

شدت ليلى هاتف رحمة من يدها وحدقت في صورته ثم شعرت بوجنتيها يشتعلان حرارة رغمًا عنها فنكزتها رحمة 'اوعي تسمعي كلام أخوكِ الإتم ده، ده عيل غلس وأنا عارفاه."

تجهمت ملامح ليلى وتذمرت "بت! بطلي شتيمة في أخويا! بعدين مش الغلس ده اللي أنتِ هتموتي عليه وصوره مالية موبايلك؟"

نفخت رحمة وجنتيها بطريقة طفولية خانقة ورفعت رأسها للأعلى وهي تجيب من تحت أسنانها "منه لله، هعنس جنبه.".

في صباح اليوم التالي استيقظ هشام على صوت جلبة قادمة من خارج غرفته؛ فنهض يحك عيناه ليجد أمه وأخته يقلبان الشقة رأسًا على عقب، فواحدة تمسح الأرض والثانية تنفض الأثاث والمفروشات، قلب عينيه ونظر للساعة فوجدها السادسة صباحًا وتملك منه الغضب فورًا ثم سخر بغيظ

"وتاعبين نفسكم وبتنضفوا من الساعة ستة الصبح، بس وديني الجوازة دي ما هتتم." وفور إنهاءه لجملته وجد أمه تقذف عليه بالقطعة القماشية التي كانت تمسح بها الأرض وصاحت "اجري ياض على أوضتك ونقطنا بسكاتك."

صك على فكيه ونظر لها بنظرة متوعدة ثم أومأ إيماءة تحمل معاني كثيرة، وسرعان ما دخل وصفع الباب خلفه ليبدل ملابسه ويقرر الخروج عن هنا؛ فلو بقي أكثر سيرتكب جريمة وربما سيقل أدبه على أمه لأول مرة فيأتي والده ليوبخه للمرة المئة، لكنه لم يعرف أين يذهب، خاصة واليوم يوم الجمعة، فقادته قدماه إلى منزل أدهم الذي فتح بابه ناعسًا لكن انتهى بهما المطاف في شرفته يتناولان الإفطار

"أنا لولا أحمد امبارح كنت مسكت قيس ده قطعته، بس يصبر عليا، الموضوع مش هيعدي كده،" نطق من تحت أسنانه وهو يرتشف من كوب الشاي باللبن فأعطاه أدهم شطيرة وحك عنقه "ما يمكن يتعدل؟ ما تديله فرصة طيب؟"

نفى هشام برأسه ورمى بالشطيرة على الصينية "ده واحد بيعاكس بتاعة النعناع! أجوزه أختي؟ لو عندك أخت هتجوزهاله؟"

طأطأ أدهم رأسه وقضم من شطيرته بصمت فوجد الآخر يكمل "إحنا اتدبسنا مع الإتنين دول غلط، إحنا مش شبههم أصلًا، لا أنا ولا أنت."

حك أدهم ذقنه بتوتر ثم دافع عنهما "بس إحنا بقينا أصحاب!" فصمم هشام على موقفه "تمام أنت وأحمد أصحابي، إنما قيس مش صاحبي، وربي لأخلي الجوازة دي سودة فوق دماغه.".

أمضيا اليوم سويًا واستغل أدهم تواجده معه بأن يحاول أن يلين رأسه من ناحية قيس لكن الآخر كان عنيدًا كفاية ورأسه متيبسًا ولم يسمع أية كلمة، وبعد صلاة العصر قرر الرحيل لأن قيس وأهله سيأتون بعد المغرب، حاول أدهم لآخر مرة إرجاعه عما يدور برأسه لكن الأخير رحل وهو ينوي تدمير تلك الزيجة مهما كلفه الأمر.

فضل الجلوس أمام مقهى قريب وألا يصعد إلى منزله إلا بعد أن يأتي قيس وأهله، وبعد صلاة المغرب وجد سيارة والد قيس الرانج روفر تتوقف أمام باب منزلهم، خرج قيس أولًا ببذلته السوداء الأنيقة وهو يمسك بباقة من الورود الحمراء وفي يده الأخرى علبة أخرى مغلفة بدت كعلب الحلويات، وبعده خرج والده ببذلة رمادية وهيبة كبيرة، ثم خرجت أمه التي كانت ورغم كبر سنها فاتنة كثيرًا وأنيقة، ترتدي تنورة تصل إلى ركبتيها وسترة شتوية باللون الأبيض وعقد ألماظ يزين عنقها، وتترك شعرها البني القصير منسدلًا على كتفيها، لكن من ملامحها التي تنظر يمينًا ويسارًا إلى المكان الشعبي بإستياء هشام قد عرف بأن أخته ستواجه مشاكل كبيرة مع هذه السيدة أيضًا، ثم نزلت أخت قيس والتي كانت في الخامسة والعشرون وتشبه أمها إلى حدٍ كبير، حتى أن الضيق أعتلى صدرها فور نظرها للمكان حولها، وكلاهما رمقا قيس بنظرة مقروقة وكأنهما يوبخانه على اختياره الزواج من فتاة تسكن في ذلك الحي.

صعد هشام بعد فترة ليجد ذلك التجمع العائلي حيث الابتسامات -التي كان يراها- متكلفة وعبارات الترحيب السخيفة تملئ المكان، حيا والد قيس ووالدته وأخته ولم يمد يداه ليصافح قيس الذي مد يده له، فسحب قيس يداه بحرج نوعًا ما لكنه تبادل معه نظراتٍ متحدية.

جائت شقيقته بعد قليل ترتدي فستان أسود من الشيفون اللامع وفوقه خمار باللون الأحمر الداكن الذي أظهر بياض بشرتها أكثر، استقبلها سالم المرشدي بتهلل واضح وبدى عليه الإعجاب بها، عكس مدام سالم المرشدي وابنته اللتان رسمتا ابتسامة مزيفة يعرفها هشام جيدًا.

بعد فترة اقترح سالم أن يتركا العروسان بمفرديهما ليتحدثا قليلًا ونهضوا جميعًا نحو غرفة الضيوف الأخرى، عدا هشام الذي تمدد بجسده على كرسي الأنتريه وابتسم بشرٍ لقيس الذي حمحم عندما وجده لم ينهض،

نظرت له ليلى بتوتر ثم عادت لتنظر إلى الأسفل دون توجيه أية نظرة لقيس الذي كان يلقي بنظراته النارية نحو هشام وقال بضيق "إيه يا هشام؟ مش كلهم قاموا يا حبيبي؟"

ابتسم هشام ابتسامة صفراء وأجاب واضعًا قدمًا فوق الأخرى "لا، أصل أنا عجباني القعدة هنا."

رفعت ليلى عينيها وتبادلت النظرات الخجولة مع قيس لأول مرة فتخلى عن انعقادة حاجبيه وابتسم لها ثم حمحم ونظر نحو هشام بضيق وأشاح بوجهه بعيدًا وهو يزم شفتيه ويسبه في عقله.

" تعالى يا هشام، " نادت عليه أمه من الغرفة الأخرى حينما لاحظت غيابه لكنه صاح بالمقابل "لا، أنا قاعد هنا."

توترت ليلى أكثر وصك قيس على فكيه بغضب

"أبوك بيقولك تعالى!" صاحت أمه من جديد فأبى وزمجر وهو يشبك يديه أمام صدره بعناد "لا بقى أنا مرتاح هنا."

فوجئ بها تتقدم لتشده "بقولك تعالى!" فنهض رغمًا عنه وهو يلقي بنظراتٍ مهددة ومتوعدة لقيس لكن أمه سحبته بعيدًا على أية حال فدخل نحو الغرفة التي كانوا يجلسون بها جميعهم وجلس مقابل أخت قيس التي وجدها تنظر له بنظراتٍ خاطفة من حينٍ إلى آخر فضيق عيناه ورمقها بقرف ثم أشاح بوجهه بعيدًا فتوسعت عينيها بصدمة وشعرت بضربات قلبها ترتفع ثم قطبت جبينها وابتلعت لعابها بصعوبة، كيف يجرؤ؟!

فور رحيله ابتسمت ليلى بإحراج فحك قيس عنقه وابتسم هو الآخر قائلًا بتوتر "بيغير عليكِ جدًا، بس أنا عاذره .. لو عندي أخت قمر كده ماكنتش هسيب أي واحد ياخدها."

أخفضت رأسها بعد أن توردت وجنتيها

"إحنا اتكلمنا قبل كده بس مش عايزة تسأليني أي حاجة؟ تعرفي عني أي حاجة؟ لأن المفروض بعد ما هنمشي أبوكِ هيسألك موافقة عليا ولا لا؟"

كانت تريد إخباره بأنها موافقة على كل حال لأنها حقًا تشعر بالراحة تجاهه كما أنه وسيم ولطيف وأمها بالفعل لن تسمح لها بالرفض لكنها لم تستطع وحمحمت "طب طب .. ممكن تقولي الحاجات اللي المفروض أعرفها عنك؟"

"طيب يا ستي بصي، اسمي قيس .. أكيد أنتِ عارفة،" ضحك وأكمل "عندي أربعة وعشرين سنة، وده لأني سقطت سنة في سنة أولى."

"اهتماماتي محددة ومش كتيرة، بحب الجيم والرياضة ومتابع ماتشات الكرة، بشجع الأهلي .. عصبي شوية .. مش شوية .. عصبي جدًا الحقيقة بس بهدى بسرعة لو ماحدش استفزني، فيعني لو اتعصبت مستقبلًا حاولي تمتصي غضبي وماتوقفيش تعاندي قدامي."

"بشتغل حاليًا في مصنع أبويا، عندي شقة في الزمالك ودي اللي هنسكن فيها."

"مابشربش سجاير أو شيشة ولا أي نوع من الحاجات اللي ممكن تأذي الجسم لأني مهتم بصحتي."

"مابحبش الكئابة، يعني مابحبش النكد والخناق عمال على بطال وتصغير الدماغ والتلكيك على أي حاجة، ده في حالة لو هتسلكي الطريق اللي بتسلكه أي زوجة عربية عمومًا .." قالها بطريقة مازحة فضحكت لكنه حقًا لم يكن يمزح

"وفيه حاجة مهمة لازم تعرفيها، أنتِ أكيد عارفة إن ماحدش ملاك وكلنا بنغلط، وأكيد أنا كان ليا بعض الأخطاء اللي هشام أكيد هيقولك أو قالك عليهم، وأنا كنت عايز أقول بس إن دي حاجات في الماضي وإني أكيد مش هتصرف أي تصرف ممكن يضايقك مستقبلًا."

كان كلامه يبدو جديًا وهو ينظر في عينيها مباشرةً فابتلعت لعابها وأومأت

"بس كده، عايزة تعرفي أي حاجة تانية عني؟"

"أيوة .. هو أنا لو حبيت أشتغل مستقبلًا هتوافق ولا لا؟"

ضم كتفيه وصمت لوهلة مفكرًا ثم أجاب "هو أنا أفضل لو ماتشتغليش وأنا هديكِ المصروف اللي تطلبيه لأني هحب إنك تاخدي بالك من البيت ومني وتكوني فاضية ورايقة مش جاية من الشغل مش طايقة نفسك ومش طايقاني أنا كمان .. أنا والدتي مابتقعدش في البيت تقريبًا وده مأثر عليا من وأنا طفل فحابب لما أتجوز مراتي تبقى فاضيالي ومهتمة بيا من كل النواحي."

سقطت ابتسامتها عن وجهها وزمت شفتيها وأومأت بتفهم، لكن الشيء المؤكد أن كلامه الآن لم يرقها وكان هو سريع الملاحظة كفاية كي يفهم أن ما قاله لا يعجبها وهذا جعله يكمل شارحًا

"أنا بس أنا حابب أدخل بيتي ألاقي واحدة تدلعني مش واحدة قرفانة من حياتها وهلكانة من الشغل."

"الموضوع مش موضوع فلوس، أنا عايزة أحقق ذاتي!" اعترضت ليلى فرمقها قيس بإحباط وفوجئوا بهشام يقتحم الغرفة فجأة مؤيدًا شقيقته

"أيوة بالظبط كده هي عايزة تحقق ذاتها، وبما إنك مش موافق فيلا قوم اتكل على الله سعيكم مشكور."

نظرت له ليلى بضيق غير راضية عن تصرفاته الهوجاء وقيس نظر له بغيظ ثم عاد بنظره لليلى وأجاب نكايةً بهشام فقط "طب لعلمك بقى عايزة تشتغلي اشتغلي، بس توفقي بين الشغل والبيت."

توسعت أعين هشام ونظر له وهو يسبه بأفظع الشتائم في المجرة ثم حول بصره لشقيقته وحاول إرجاعها "على فكرة كداب، قيس ده عايز واحدة ما وراهاش غيره وغير طلباته وتعامله على إنه سي السيد وتقوله يا سي قيس."

رسم قيس ملامح مشمئزة على وجهه وتمتم "سي قيس؟ إيه الكلام البلدي ده! نقي ألفاظك شوية يا هشام .. عيب، أنت مهندس محترم!"

"أنا اللي بلدي؟ نسيت نجلاء؟" صاح هشام في وجهه

نظرت ليلى لقيس وعقدت حاجبيها "نجلاء مين؟!"

سارع قيس بالإجابة "نجلاء دي كانت سيدة فاضلة عندها أربعين سنة بتشتغل عندنا في البيت! ماعرفش هو بيتكلم عن إيه؟ قصدك يعني إني هبصلها؟ يا ابني دي قد أمي!"

"يا سلام! أومال مشتوها ليه وجيبتوا أم كريم؟"

حمحم قيس ووسع ربطة عنقه ثم أمال على ليلى وهمس بصوتٍ منخفض "أنا هقولك ليه بس ياريت ماتقوليش الكلام ده لحد .. أصل أبويا بصراحة هو اللي عاكسها فماما طبعًا مشيتها وجابت أم كريم."

جفل هشام بصدمة وتمتم بدون تصديق "بقى أبوك الرجل المحترم هو اللي عاكسها؟"

مثل قيس الأسف ونظر لليلى ورفع كتفيه وهو يجيب "طيش شباب بقى نعمل إيه! بصي اصل الرجالة بييجي عليهم فترة كده بيبقى عندهم مراهقة متأخرة .. وماما مش مهتمة ببابا وعلى طوال مشغولة في شغلها .. فدي نتيجة حتمية للموقف، وعشان كده انا مش عايزك تشتغلي."

"ياض بطل كدب يالا! ده أنت غلبت مسيلمة الكذاب!" صاح هشام مرة أخرى لكن أمه جائت وشدته بعيدًا ثم وقفت توبخه كالطفل الصغير للمرة المليون حينما ألقى قيس بنظراتٍ حزينة إلى ليلى وقال بصوتٍ خفيض يعبر عن مدى ضيقةده

"أنا مش كداب، ولو قليل الأدب فعلًا زي ما هشام بيقول ماكنتش جيت أتقدملك دوغري وكنت حاولت أقل أدبي معاكِ لما كنت بوصلك، بس أنا حتى مابصيتلكيش بطريقة مش كويسة!"

أومأت ليلى بتفهم وهمست "هو بس هشام عصبي شوية." لكنها فوجئت بقيس ينهض ويعدل من هندام بذلته وأعطاها إيماءة بسيطة ثم ابتسم وتمتم "عمومًا أنا هديكِ وقت تفكري وتصلي استخارة وكده وبعدين هتواصل مع والدك، وإن شاء الله خير، بس ياريت ماتسمحيش لأخوكِ إنه يوصلك صورة غلط عني، أديكِ شايفة أهو، قاعد يتبلى عليا بالباطل عشان غيران عليكِ."

فور إنهاءه لكلامه وجد هشام يقفز لداخل الغرفة مجددًا وهو يصيح "صورة غلط؟ ده أنت الغلط نفسه!"

أعطاه قيس ابتسامة جانبية مستفزة دون أن تراه ليلى وتحرك بجانبه ثم همس في أذنه "برضه هتجوزها.".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تفتكروا هشام عنده حق ولا مزودها؟ 😂