26- أمثالنا لا يتغيرون

سربرااايز 😂✨

كان أحمد يستند على سيارة قيس بجانب هشام وقيس اللذان يتهاوشان كعادتهما، غير أن تلك المرة هو تركهما ولم يعبأ بهما، صب كامل تركيزه على سيجارته التي بين يديه، رأى أدهم يتقدم من بعيد، وجهه بدا عابسًا بشدة، ولقد قلقه منظره هذا فاعتدل في وقفته باهتمام، لكن حين اقترب الآخر فوجئ بلكمة تُسدد مباشرةً إلى وجهه، تحرك وجهه قليلًا للجهة الأخرى وسقطت سيجارته أرضًا وتوقف هشام وقيس عن استفزاز بعضهما ونظرا لأدهم بصدمة.
عاد أحمد برأسه يحدق في أدهم بتيه وبدون فهم ممتزجان بصدمة وإحباط، لم يكن أبدًا سريع الغضب، ولعل هذا ما حافظ على وجه أدهم سليم حتى هذه اللحظة.
"مش هتسألني ضربتك ليه؟" صرخ أدهم في وجهه فنظر له الآخر بهدوء غريب استفزه، ثم نطق "أكيد عندك سبب."
صك أدهم على فكيه بغيظ وزمجر "أنت عملت مع داليا كده ليه؟ أنت مش هتبطل قذارة بقى؟ كام بنت قربت منها وكسرت قلبها؟ أنا كنت بعتبرك صاحبي بس أنا قرفت منك ومن تصرفاتك القذرة."
تجمعت الأنظار حول أربعتهم، كانت ملامح أدهم مشمئزة تنظر لأحمد باستحقار واضح، وكأنه مقروفًا منه
"أنا ما عملتلهاش حاجة!" أجاب وهو يحاول تجاهل تلك النظرات التي يلقيها صديقه إليه
"عملت، أنت عارف كويس موقفها، بس أنت حيوان مايهمكش إلا أنت عايز إيه وبس."
بدأ الغضب يتملك من الآخر وابتلع لعابه بغصة "أنا بعدت عنها عشان عارف موقفها، لو قربت منها هجرحها."
"وأنت فاكر دلوقتي ما جرحتهاش؟ هي مفكرة إن العيب فيها هي!" صرخ ودفعه في صدره فصك أحمد على فكيه وهو يحاول تهدئة نفسه؛ فآخر ما يريده هو الدخول مع أدهم في عراكٍ، لأنه لو فعل حقًا فلن يخرج أدهم من تلك المعركة سليم.
فوجئ به أدهم يُخرج هاتفه ويعبث به حتى أخرج رقم داليا، اتصل بها ووضع الهاتف على أذنه في صمتٍ تام وترقب من جهة أدهم الذي لا يفهم ما الذي يفعله الآخر؟
انتهى الجرس ولم ترد، ضغط ثانية، ثلاثة، أربعة، خمسة .. هي لا تجيب!
"أنت بتعمل إيه؟" تساءل أدهم باندفاع لكنه اصطدم بأحمد يمد يده في بنطاله ويأخذ هاتفه ويفتحه دون صعوبة لأنه بالفعل يعرف رقمه السري
طلب داليا، وحينها أتاه صوتها فورًا، إذًا تجيب أدهم ولا تريد إجابته هو؟
رحبت بأدهم لكنها وجدت أحمد هو من يجيب "أنا مش أدهم، أنا أتصلت بيكِ كتير من رقمي وما ردتيش!"
"ماكنتش سامعة،" أجابت ببرود فابتلع الغصة في حلقه وطأطأ رأسه ثم أردف "أنا متصل عشان أقولك حاجة واحدة بس."
صمتت في ترقب لما سوف يقول، توقعت مثلاً أن يعتذر؟ يبرر فعلته؟ أو من شخصٍ مثل أحمد فربما سيحاول أن يأكل بعقلها حلاوة كما يقولون، لكنها ابدًا لم تتوقعه يقول
"أول حاجة لازم تعرفيها عني إني عيني زايغة وزبالة وخاين وبتاع بنات وقذر زي ما أدهم قال، وده السبب اللي خلاني أبعد عنك، أنتِ ما تستحقيش شخص حيوان تاني في حياتك، تاني حاجة لازم تعرفيها إني بحبك وقراري ماكانش سهل أبدًا عليا وماكنتش عايزه، بس عملته لمصلحتك لأني مش ناوي أتغير واللي زيي مابيتغيروش، هعيش كده وهموت كده، سلام."
أغلق المكالمة دون سماع ردها ثم ألقى بالهاتف في وجه أدهم وابتعد عنهم بدون أن يتفوه بأدنى كلمة، حاول قيس اللحاق به لكنه أخبره بأنه يريد البقاء بمفرده وأبدى إصرارًا كبيرًا قد جعل قيس ينسحب ويعود للإثنان الآخران حيث وقف هشام يوبخ أدهم وتصرفه المتهور ولم يكن الآخر يملك شيئًا ليقوله فوقف يتلقى التوبيخ كالطفل الصغير بكثيرٍ من الندم.
هرول أحمد بعيدًا وأخذته قدماه إلى النيل، وبتهور قفز على السور الإسمنتي وجلس معطيًا ظهره للشارع ووجهه للمياه، أخرج سيجارة وأشعلها ثم وضعها في فمه أثناء تعليقه لعيناه على تلك النسمات الخافتة التي تحرك سطح المياه في منظرٍ جميلٍ، لكن ذلك لم يمحي شعور السوء بداخله، وكأن صخرة قد وُضِعَت على قلبه تخنقه ولا تدعه يتنفس بسهولة.
قاطعه صوت تنبيه برسالة من هاتفه، ظنها من أحد أصدقائه الثلاثة ولم يكن ليكلف نفسه عناء النظر لكنه وضع السيجارة في جانب فمه وأخرج هاتفه، جحظت عينيه عندما وجدها من داليا
كانت قصيرة ومحددة [شكرًا.]
لم يستطع تحديد مشاعره نحو تلك الرسالة، أيحزن أم يفرح أم لا يشعر بأي شيء هو لا يعلم.
كل ما فعله هو وضع الهاتف في جيب بنطاله من جديد وإكماله لسيجارته، بينما في مكانٍ آخر وقفت داليا في شرفتها تدخن سيجارة هي الأخرى بوجهٍ خالٍ من المشاعر، كلماته تُعاد على رأسها مرة تلو الأخرى، وشبح ابتسامة يرتسم على وجهها كلما تأتي للمقطع حيث يخبرها فيه بأنها يحبها، لكنها تسارع بمحوها فورًا والتركيز على سيجارتها، ثم تتذكر وتبتسم مرة أخرى رغما عنها ..
الغبي، يظنها لا تعرف بأنه زير نساء؟ لقد كانت تعرف، منذ الوهلة الأولى قد عرفته، حاول أدهم تحذيرها بإسلوب غير مباشر لكنها كانت تضحك بداخلها بسببهما، من يظناها؟ فتاة غبية؟
ربما قد خُدعت في خطيبها القديم لأنه كان يرتدي ثوب التدين، ولم تتوقع منه أن يفعل ما يُغضب الله؛ فهذا الكائن كان يحثها دائمًا على لبس الحجاب وعدم الإختلاط، لقد كانت صفحته الشخصية ممتلئة بالأحاديث الدينية والذِكر وصورته بملابس الإحرام بجانب الحرم المكي الشريف .. لكن نفس الشخص قد خانها واعتدى عليها وأعطاها درسًا قيمًا بألا تصدق المظاهر.
أما عن أحمد؛ فهو كان واضحًا لها جدًا، كوضوح القمر يوم تمامه، لأن الرجال على شاكلة أحمد براقون وجذابون للغاية، يسهل تمييزهم.
لكنها لم تتوقع أن ينسحب لكي لا يجرحها، لأنه يظن نفسه غير جيدًا كفاية لها، ولأنه يهتم لها ولا يريد إيذائها، وربما هو قد كسب احترامها له بهكذا موقف، أما مشاعرها تجاهه؟ فهي كانت واضحة أيضًا منذ الوهلة الأولى، عندما أخبرته بأنها لا تملك شيئًا لتقدمه له، لكنها تظن أحمد لم ينتبه لهذا أو ربما لم يكن يريد أن ينتبه.
لقد أحبت تواجده حولها، هي لن تنكر هذا، مزحاته، مغازلاته التي تضحكها، كيف أنهما يتناقران بطريقة لطيفة، ولن تنكر أيضًا أنها تتوتر حوله هو تحديدًا، لكن ارتباط؟ هي لا تصلح لهذا بعد ما قد حدث معها.
فهناك نوعًا من البشر، إذا خاض تجربة سيئة فهو يقسم على ألا يجربها مرة أخرى ما حيى، وهي كانت منهم، كل شيء قد ألمها لن تعيده ولو وضعوا السيوف على رقبتها، لقد قُضي الأمر وانتهى.
في مكانٍ آخر على النيل، وصل مراد وأمه إلى المكان حيث سيلتقيان بالعروس ووالدتها، كجلسة تعارف قبل أن يدخل بيتهم، كان مطعمًا فخمًا يليق بمن اختاره، هندم مراد خصلات شعره السوداء للخلف وعدل من لحيته بحركة سريعة ثم أمال على والدته سائلًا
"أنتِ شايفاهم؟"
نظرت والدته يمينًا ويسارًا حتى وقعت عينيها على والدة الفتاة تجلس بمفردها على طاولة منعزلة نسبيًا أمام النيل مباشرةً، ابتسمت وأشارت له عليها فحمحم وتحرك خلفها وهو ينظر لقميصه الأزرق المشابه للون عينيه بتفحص، ارتاح لمظهره الأنيق مع سرواله الأسود وحذائه الأسود الكلاسيكي، ووقف بجانب والدته يحيي السيدة التي لم تكن ابنتها معها
جلسوا جميعًا وعندما تكلمت السيدة "العروسة في الحمام بتظبط حجابها وجاية."
ابتسم مراد لكون أمه قد استمعت له وانتقت له فتاة محجبة، ولم يلبث أن وجد أمه تنهض وتسحب السيدة من يدها مازحة "طب تعالي بقى نقعد أنا وأنتِ على ترابيزة تانية ونسيب العرسان يتكلموا مع بعض."
أطاعتها السيدة ونهضا معًا إلى طاولة أخرى، وتركوا الآخر ينظر حوله لدقيقة ثم أخرج هاتفه يعبث به بعد أن طلب من النادل قهوة، هذا حتى شعر بأحدهم يجلس أمامه، أغلق هاتفه ورفع رأسه مبتسمًا لكن ابتسامته تلاشت عندما تبين من هي، تلك الأعين الثاقبة التي تحدق فيه بذات النظرة، البشرة البيضاء والشفتان الحمراوان بدون ملمع شفاه، الوجه المحدد الغاضب الذي قابله من قبل
"هو أنت!" زمجرت
"أنتِ!"
"أنا لا يمكن أتجوز واحد فاسق زيك،" هاجمته فورًا فقطب جبينه وسخر ليسترد كرامته التي تبعثرت برفضها الفوري
"يعني أنا اللي هموت وأتجوز واحدة كانت بتضرب العيال في الشارع! أنا لو أعرف أنها أنتِ ماكنتش جيت أصلًا."
نهضت عن كرسيها وصاحت "ماما، أنا خلصت المقابلة يلا نمشي."
جائت والدتها بهلع وتذمرت "تمشي إيه بس يا بنتي! انتوا لحقتوا!"
"آه، أنا مستحيل أتجوز واحد بيقف في البلكونة سلبوتة من غير هدوم."
جحظت أعين مراد ونهض لها "سلبوتة!"
"آه سلبوتة،" صممت وشبكت يديها أمام صدرها
"لا بقى مش سلبوتة، أنا كنت لابس بنطلون! ثم إن أنا اللي هموت وأتجوزك يعني؟ ده أنتِ العيال كانوا مسميينك غادة البوابة."
تدخلت أمه لتصلح الموقف "يا حبيبتي أصله عايش في ألمانيا وهناك الكلام ده عندهم عادي مش عيب أن الرجل يكون لابس بنطلون بس."
"دي قلة أدب .. ده كان واقف سلبوتة خالص!" رمقته باستحقار من جديد فتدخل الآخر بتحدي
"طب لعلمك بقى هناك الكلام ده مش عادي، وأنا اللي قليل الأدب فعلًا وكنت واقف سلبوتة براحتي، ومن هنا ورايح هقفلك سلبوتة في البلكونة غلاسة ووريني هتعملي إيه؟"
" يا ولاد استهدوا بالله، استهدي بالله يا غادة، استهدى بالله يا مراد .. يا ولاد راعوا إن سنكم كبر وماحدش معبركم!" قالت والدته فسقط فك مراد وتوترت غادة ثم نظرا لبعضهما بصمت وكأنهما أدركا بأنهما في تلك المصيبة سويًا
فربتت والدتها على ظهرها وقالت "خليكِ عاقلة، وأنت يا مراد حقك عليا يا ابني، هي بس مقفلة حبتين."
ثم شدت يد أم مراد وتحركا بعيدًا من جديد.
جلس مراد على مضض بينما ظلت الأخرى واقفة وشبكت يديها أمام صدرها بتصميم ثم أشاحت بوجهها بعيدًا عنه بكبرياء،
رفع عينيه لها وتهكم "هتفضلي واقفة كده؟"
"آه."
"أحسن."
مرت فترة من الزمن قبل أن تؤلمها قدماها وتسحب الكرسي وتجلس بضيق، تجاهلها الآخر وبدأ ينظر حوله وهو يشرب من قهوته التي جلبها النادل بصمت
"إحنا هنقولهم إيه؟" جذبت حديثًا معه فأجاب وكأنه لا يهتم "هتقولي لأمك إنك مش عايزة تتجوزي واحد بيقف سلبوتة، وأنا هقول لأمي إني مش عايز أتجوز واحدة لسانها متبري منها وعايز قطعه."
"ما تلم نفسك!" زمجرت فقطب جبينه وسخر "أنا عرفت ليه أنتِ ما اتجوزتيش، ده أنتِ لو مراتي كنت قطعتلك لسانك."
"وأنت لو جوزي كنت حطيتلك سم فران في أكلك."
"ماتفتكريش إني هقولك لو كنتِ مراتي كنت أكلته، لا، لو كنتِ مراتي كنت طفحتهولكِ."
توقفت الكلمات في حلقها، لكن وجهها أحمر بالكامل وهمست من تحت أسنانها "أنت قليل الذوق."
"وأنتِ قليلة الأدب."
تجمعت الدموع في عينيها ونظرت إلى والدتها وصاحت بنبرة باكية طفولية "يا ماماااااا، تعالي أنا مش هتجوز البني آدم ده على جثتي."
"لا والنبي اتجوزيني لأحسن هموت لو ما أتجوزتينيش! ده أنتِ اللي يتجوزك ياخدك وياخد معاكِ الضغط والسكر والمرارة، بومة والعياذ بالله."
"أنا بكرهك،" صرخت فسخر "لا أنا اللي دايب في دباديب غرامك!"
ثم تذمر "أنا كان مالي ومال الشغلانة دي بس يارب! ما كان قدامي المزز الألمان على قفا مين يشيل .. حبكت آجي أتجوز من هنا! قال إيه عشان ألاقي واحدة تعملي محشي، يا شيخة يغور المحشي اللي من وشك."
لم تتحمل أكثر وأنفجرت باكية، لم يهينها أي شخص بتلك الطريقة من قبل! بالعادة .. هي من اعتادت على إهانتهم! ثم يأتي هذا الوقح المتعجرف ويفعل هذا؟
لم يهتم ببكاءها وأخذ رشفة من فنجانه ببرود قاتل، نظرت له بأعين دامعة وكل ما حدث لم يردعها من تهديدها له من جديد "عارف لو شوفتك واقف عريان في البلكونة هعمل فيك إيه؟"
"أنتِ مهتمة ليه بأني واقف عريان في البلكونة؟ إيه؟ عجبتك وخايفة تغضبي الله؟" قال بنبرة ماكرة وابتسامة لئيمة قد جعلت فكها يسقط وتسارع بالنفي "ده في أحلامك، أنت أصلًا مش حلو."
"يا بنت الكدابة!" انفلت فمه بتلك الشتيمة فجحظت عينيها وزمجرت "ما أنت مش محترم! هتوقع منك إيه يعني."
نهض عن كرسيه وأخرج نقودًا من محفظته ثم ألقى بها على الطاولة ونظر لها وسخر "ماكانتش فرصة سعيدة خالص إني أتعرف عليكِ يا غادة، وإن شاء الله هتعنسي ومش هتلاقي كلب يبص في وشك طول ما أنتِ مابتعرفيش إزاي تعاملي الرجل وتحترميه عشان يحترمك."
ثم تركها ورحل يجر يد والدته بقوة، بينما بقيت هي تنظر أمامها وهي تمسح عينيها بظهر يدها، اقتربت منها والدتها وجلست تحدق فيها بحزن، لا تعرف ما الذي تقوله
"يا بنتي ليه كده؟ هو عشان أبوكِ كان زبالة وسابنا ومشي من زمان يبقى كل الرجالة زيه؟ ده مراد مؤدب ورجل وشايل مسئولية بيتهم كله فوق دماغه، ده أنا كنت بدعي ليل نهار يبقى بختك أحسن من بختي."
"أنا مش عايزة أتجوز! مش عايزة! أنتِ مصممة تجوزيني ليه! أنا مرتاحة كده ومش عايزة!" صرخت من بين شهقاتها فسارعت أمها بإحتضانها والتربيت على رأسها وهي تتمتم بالمعوذات علها تهدأ ويبتعد عنها الشيطان الذي تظنه يتلاعب بعقلها.
كان مراد يجلس بجانب والدته في سيارة أوبر التي طلبها، ملامح وجهه متجهمة ويحاول عدم الغضب لكنه فشل وحرك رأسه لها
"هي دي مواصفاتي؟ أنا قولت محترمة ومؤدبة ولطيفة وست بيت وحلوة ومش مليانة في الجسم ومحجبة وماتكونش أقل من خمسة وعشرين سنة!"
"يا ابني ما هي غادة عندها تسعة وعشرين ومحجبة ومؤدبة ولا عمري شوفت منها العيبة ولا عمر عينيها اترفعت عن الأرض وهي ماشية، دي بتشوفني في الشارع شايلة حاجة تقيلة تقولي عنك يا ماما، وحلوة ما شاء الله عليها وفوق ده كله متعلمة وست بيت وشايلة أمها، أنا ماتوقعتش يكون طبعها كده."
ابتلع لعابه وقضم شفته وهو يومئ مرغمًا، ثم تمتم بهدوء هذه المرة "عمومًا أنا مش رايح صالونات تاني، وياريت ماتجيبيش سيرة الزفت الجواز تاني، لما النصيب يبقى ييجي هبقى أتنيل، روحي جوزي ابنك الصغير، أهو هيموت ويتجوز."
"جاته جوازة في عينه، أنا محذراه لو فتح معايا الموضوع ده تاني قبل ما يتخرج هخلي ليلته سودة، أنا عايزة أفرح بيك أنت يا حبيبي وأشوف عيالك قبل ما أموت أنا وأبوك، أما الصغير ده ياكش تصغر علته وربنا يهده، ده كل يوم بيكلمني عن واحدة مختلفة، إشي نورهان، مريم، سلمى، شيماء، ريم، ناهد، لميس، إسراء، وهلم جرا لدرجة إني مش فاكرة باقي اساميهم يا ابني، تقولش بيكسبهم في بنك الحظ!"
ضحك مراد رغمًا عنه وربت على كتفيها وهو يدعو الله أن يهديه هو الآخر ثم بدأ بتحذيرها "بس نصيحة، ده بالذات ماينفعش يسافر وهو مش متجوز، اسمعي كلامي وجوزيه، عشان والله هيبوظ أكتر من كده."
"ما هو لسه وراه جيش .." حاولت والدته المراوغة لكن مراد نفى وذكرها بالشرخ الذي حدث في قدم أحمد، والذي ربما سيتسبب في إعفاءه من الخدمة لأن لديه كسرًا آخر ملتئم في قدمه الأخرى،
صمتت والدته تفكر في كلامه ولقد أدركت أن ما يقوله مراد عقلاني، هذا الفتى لا يجب أن يرحل عن هنا دون زواج؛ فهذا بالذات يمكنه أن يرافق فتاة ألمانية من غير ملته ولا ثقافته ثم يتزوجها .. لا لا .. هي ستزوجه قبل أن يسافر، لن يخط خطوة خارج البلاد إلا ومعه زوجته.
كان هشام في تلك الفترة من الترم ينشغل جدًا بمذاكرته، فتراه لا يتحرك عن مكتبه ولا ينفك يرفع عينيه عن الكتاب لأي سبب حتى يعود له مسرعًا، ولعل هذا ما قد جعل رحمة تتذمر في غرفة شقيقته
"هو أخوكِ مات جوا ولا إيه؟"
"يا بنتي اتقلي شوية مش كده!" ضحكت ليلى وهي تقذف عليها بالوسادة فألتقطتها وصفعتها بها على وجهها "هو اللي حيوان، قالي إنه هيتجوزني وبعد كده ماكلمنيش تاني، شوفيلك صرفة معاه أنا زهقت."
"مش قالك هيتجوزك؟"
"آه."
"خلاص اتطمني، هشام ما بيرجعش في كلامه ومابيقولش حاجة إلا وهو دارسها كويس، وماتتوقعيش إنه هيلزقلك ويكلمك ويحب فيكِ وكده، هشام مش بتاع الكلام ده."
كانت رحمة ستهم بالكلام لكن صوت هاتف ليلى قد أوقفها، ومن الابتسامة على وجهها عرفت أن المتصل قيس ولا أحد غيره لكن ليلى اعتذرت منه لأن رحمة هنا، وأخبرته بأن يتحدثا في وقتٍ لاحق.
"قيس ابن الملوح ده عامل معاكِ إيه؟"
"ماعملش حاجة تضايقني من بعد ما نكد عليا يوم الفرح، لحد دلوقتي كويس ومحترم ومهتم وحنين معايا."
"قالك بحبك بقى وكده؟" تساءلت بأعين لامعة فخجلت الأخرى ونفت برأسها ثم سخرت "ماليش أنا في قلة الأدب دي، ما أنتِ عارفة."
أومأت رحمة ثم جلست ووضعت يدها أسفل خدها وهي تنظر للحائط الذي يفصل غرفة هشام عن غرفة ليلى، ماذا لو كان يمزح ولم يكن يعني أنه سيتزوجها حقًا؟
سمعوا طرقًا على الباب فصاحت ليلى سامحةً لأمها بالدخول، لكن من فتح الباب هو هشام
تهللت ملامح رحمة لكنها فوجئت به يوبخهما "ما كفاية رغي! إيه؟ دودودودودو مابتفصلوش؟ صوتكوا جايب عندي في الأوضة ومش عارف أركز منكم، أنتوا مش عندكوا أمتحانات؟ ما تتنيلي تذاكري يافاشلة منك ليها!"
قلبت ليلى عينيها وتأففت فحرك عينيه لرحمة وقطب جبينه "وأنتِ؟ مش ناوية تبطلي كلام فارغ وتركزي في حياتك؟"
توسعت عينيه عندما أجابته بضحكة خبيثة "ما أنا مركزة في حياتي." مشددةً على كلمة (حياتي)
هل غازلته للتو بطريقة غير مباشرة أم أنه يتوهم ذلك؟ شعر بالإحراج وعدل من نظارته ثم حمحم وتراجع بتوتر "أيًا كان، وطوا صوتكوا."
ثم رحل وأقفل الباب خلفه وعاد نحو غرفته وجلس أمام مكتبه من جديد، أمسك بقلمه وعدل من نظارته مرة أخرى محاولًا التركيز على ما أمامه، لكنه تشتت ورفع رأسه نحو الجدار الفاصل بينه وبين غرفة ليلى متذكرًا تلك الماكرة وهي تخبره بأنها تركز على حياتها بطريقة مريبة
هز رأسه يمينًا ويسارًا محاولًا إبعادها عن عقله وهو يردد بداخله "أكيد ماكانش قصدها.".
بينما في الغرفة الأخرى همست هي بهيام "قمر يخربيت نضارته."
فنكزتها ليلى وسخرت "أنا بقول روحي اتقدميله أنتِ، عندك بابا قاعد برا أهو، اطلبي إيده يلا!"
"طب لعلمك، في مصر القديمة كان الستات هي اللي بتتقدم للرجالة عادي، مش عارفة ليه الموضوع ده أختفى! تخيلي لو واحد عجبك تروح تقابلي أمه وأبوه .. الدنيا كانت هتبقى أسهل."
ضحكت ليلى وهزت رأسها يمينًا ويسارًا بدون تصديق، فصديقتها متيمة بأخيها تمامًا رغم غلاظته وقذفه للحجارة من فمه، ولا تعلم لماذا؟ ما الذي يجعلها تنجذب لهشام هكذا؟ هي حقًا لا تستوعب، نعم أخيها جيد الهيئة ومثابر ومجتهد لكنه لم يبذل أي مجهود في التقرب من رحمة!
لكنها لم تعرف بأن الآخر يحاول بكامل جهده الآن التركيز على صفحات الكتاب وهو يحفز نفسه بأنه يجب أن يبذل كامل جهده لكي يصبح الأول على الدفعة هذه السنة أيضًا كي يتم تعيينه معيدًا ولكي يكون قادرًا على الوفاء بالكلمة التي قالها لرحمة؛ لأنه أبدًا لن يرجع في كلمته، ولقد قال ما قال لأنه قلب الموضوع في رأسه ووجد أن رحمة مناسبة له جدًا، بل هي الأنسب، ولو أراد الزواج فهي الخيار الأول، كما أنها تحبه وفتاة محترمة ومؤدبة -هذا لو تجاهل معاكستها له أحيانًا- ولن ينكر أن معرفته بأن أحمد قال أنها تعجبه عندما كانا في الفرح قد أشعلت الغيرة بداخله وشعر بالتملك نحوها .. ولم يكن هو من هواة فقدان شيئًا يخصه.
وصل أحمد إلى منزله في الثانيةً عشرة ليلًا، الجميع نيام، ترجل إلى غرفته بهدوء وأغلق الباب خلفه بالمفتاح ثم خلع حذائه ومعطفه وألقاهم -على غير عادته- أرضًا، ثم سقط بجسده على السرير وهو يزيل سيجارته عن فمه وينفث دخانها عاليًا، رفع جزعه قليلًا لكي يسحب هاتفه من جيب بنطاله الخلفي، ثم أعاد السيجارة لجانب فمه وهو يعبث بهاتفه حتى أخرج رقم سلمى
طلبها وانتظر حتى أجابت بصوتٍ ناعس مُتعب فابتسم وهمس لها "حبيبتي، صحيتك؟"
نفت الأخرى الأمر وأخذا يتحدثان لبعض الوقت حين توقف أحمد فجأة عن الكلام ثم همس لها "اعملي حسابك، بعد نتيجتي ما تطلع أنا هآجي أكلم باباكِ قبل ما أروح الجيش."
جاءه صوت الأخرى فرحًا وغير مصدقًا لما سمعته حقًا "بجد يا أحمد؟"
ضحك وأومأ وكأنها تراه ثم اعتدل على سريره وأجاب "أيوة بجد يا عيون أحمد، المهم، نتقابل بكرة؟ أنتِ وحشتيني ومن ساعة آخر مرة ماشوفتكيش يا سو، وكل مرة بتقوليلي تعبانة!"
"لا لا .. أصل فرح بنت .. بنت خالتي بكرة، أصلي ومش هعرف أنزل .." سعلت بين كلامها ولعل هذا ما جعل الآخر لا يركز على اندفاعها بالتملص من رؤيته بقدر تركيزه على سعالها "حبيبتي، أنتِ كويسة؟"
أكملت سعالها وهي تجيب "شرقت بس .."
"ألف سلامة عليكِ يا بيب، طب خلاص مش مشكلة، لما تفضي نتقابل،" قال ثم أكمل بنبرة دافئة منخفضة "وألف مبروك لبنت خالتك، عقبالنا أنا وأنتِ، هتبقي أحلى عروسة بالفستان الأبيض."
صمتت الأخرى فظنها خجلة فأكمل "بحبك."
"وأنا بحبك يا أحمد، ربنا يخليك ليا، أنت اللي بتخليني مكملة ولولا وجودك كان زماني زهقت من الحياة كلها."
ضحك وأكمل تغزله فيها حتى أنهى المكالمة ورفع رأسه إلى سقف غرفته، حسنًا، لم يكن يكذب بشأن زواجه من سلمى، ولم يكن يكذب بشأن حبه لها، لكن الفرق بين سلمى وداليا هو فرق جوهري
فسلمى معه منذ السنتان، وخلال تلك الفترة هو يخونها كل شهر تقريبًا لكنها لم تشك به ولو لمرة واحدة، أما داليا فهو يعرف جيدًا بأنها ستمسك به من المرة الأولى، ولن تسامح فيها.
عندما يكون مع سلمى فهو يشعر بأنها طفلته الصغيرة التي يريد تدليلها والاعتناء بها، أما داليا فهي قد أعطته شعورًا مختلفًا ... شعور الرفقة.
الحياة مع سلمى ستكون هادئة رومانسية ولطيفة، أما مع الأخرى فهما سيمضيان الأمسية يلعبان لعبة فيديو وينتهي الأمر بهما يتشاجران والخاسر يتهم حكم الكومبيوتر بأنه مرتشي.
وأعمق فرق بين علاقته بالإثنان، أنه لو لعب لعبة فيديو مع سلمى فهو سيربح مئة بالمئة، أما داليا؟ فهو لا يعرف من منهما سيربح، وهذا هو بيت القصيدة، داليا رفيقة وليست حبيبة.
أما ما يريد هو؟ فهو يفعل ما يريد الآن.

الفصل 27