30- عودة

هاي ❤️
رواية أربعة في واحد - الفصل 30 - عودة

كانت غادة في طريقها إلى مدخل شارعها عندما علقت تنورتها في شيئًا حديدًا مُعلقًا في الحائط ولم تسمع إلا صوت فتقٍ في تنورتها السوداء من الخلف، توسعت عينيها وألصقت ظهرها بالحائط بسرعة، ارتفعت ضربات قلبها وهي تمد يدها تتحسس ما حدث، لتجد أن تنورتها قد انقطعت وقدمها من تحت الركبة ظاهرة بالكامل، هرعت لتخرج هاتفها من حقيبتها ثم اتصلت بوالدتها والتي لم تجب الهاتف على غير عادتها! .. طلبتها مرة وأثنان وثلاثة والأخرى لم تجيب حتى ظنتها غادة قد نست هاتفها في المنزل ونزلت لشراء شيء.
وقفت بخوف تنظر يمينًا ويسارًا علها تجد شخصًا تعرفه، لكن القدر قد جعل آخر شخص ترغب بطلب مساعدة منه يظهر أمامها، كان مراد في طريقه للخارج، ثم استدار فاصطدمت عينيه بها، كان سيغض الطرف ويمضي في طريقه لكنها لم تجد أمامها سواه، فأشارت له بيدها أن يأتي.
عقد حاجبيه وتقدم نحوها بتردد وهو يضع يداه في جيب بنطاله، وقف أمامها بتساؤل فهمست له بإحراج "مراد .. الجيبة بتاعتي شبكت في مسمار واتقطعت من ورا، برن على ماما مش بترد .. وأنا مش عارفة أتحرك."
وجهها لأول مرة كان لطيف مستعطف وكأنها تستجير بملاذها الأخير.
"طب خليكِ هنا، أنا خمسة وجايلك،" قال وتحرك بسرعة، ظنته سيذهب لمنزلها لكنها وجدته يهرول لخارج شارعهما بالكامل! قلبت عينيها وسبته في عقلها، ظنته هرب ليضعها في موقفٍ محرج وينتقم منها، لكنها وجدته يعود وفي يده حقيبة صغيرة بعد سبعة دقائق بالضبط
وقف أمامها ومد يده بالحقيبة وهو يقول بخفوت "اشتريتلك جيبة من المحل بتاع الهدوم، بصي هقف قدامك والبسيها بسرعة من فوق الجيبة التانية، من غير ما حد ياخد باله."
أومأت والتقطتها من يده ثم أعطته حقيبتها فأخذها وأعطاها ظهره وهو يحرك عينيه هنا وهناك ليتأكد من أن لا أحد ينظر، ثم شعر بيدها على ظهره، بدت وكأنها تستند عليه كي لا تقع، حمحم منظفًا حلقه ووقف بثبات حتى انتهت وتحركت لتقف أمامه
ابتسمت ومدت يدها تنتشل حقيبتها وقالت له بامتنان "شكرًا يا مراد، حقيقي أنت أنقذتني .. وأنا آسفة على أي حاجة قولتهالك قبل كده."
ابتلع لعابه وأومأ لها بلا بأس، لكنه بدى تائهًا قليلًا لأنها ولأول مرة تحادثه بتلك الطريقة اللطيفة!
"الجيبة اللي أنت اشتريتها بكام؟" سألت وهي تخرج محفظتها من حقيبتها، وهنا قد عقد حاجبيه وزم شفتيه معا بضيق
"على فكرة مش لازم تتصرفي بطريقة سخيفة كل مرة! أكيد مش هاخد منك حق الزفتة!" رمى بكلماته وتحرك بعيدًا دون أن يعطيها فرصة للحديث أو المجادلة.
كان بالفعل يشعر بالضيق ولا يستطيع التركيز في أي شيء بسبب شقيقه المختفي منذ الثلاثة أيام للآن، لكنه سيفعل محاولة أخيرة وسيذهب إلى المكان حيث يعتقد أن أحمد هناك، شقتهم القديمة التي قضيا فيها طفولتهما سويًا مع جدتهما التي توفت قبل أن ينتقلا للشقة الجديدة حيث تغير كل شيء بحادثة والدهما.
أوقف سيارة أجرة وأخبره بالعنوان ثم أخرج سيجارة، أشعلها ووضعها في فمه وأشعلها وهو يأخذ نفسًا منها بالفعل، علق عينيه على النافذة أمامه حيث الطريق مظلما عدى من ضوء السيارات والمتاجر.
إن أمه منهارة في المنزل هي وأبوه، وهو يقسم بأنه لو وجد أحمد هناك سليمًا معافىً فهو لن يتركه يفلت بتلك الفعلة، يكفي طيشه وتهوره عند ذلك الحد، يجب أن يعرف أنه هنا بدلا عن والده المُقعد الآن.
بعد الساعة كان يقف أمام ذلك الباب المغطى بالتراب، أزال السيجارة عن فمه وألقاها في الأرض ثم داس عليها وطرق على الباب بهدوء، لكن لم تأتيه إجابة وهذا جعله يخرج المفتاح من جيبه ويفتح الباب بعصبية لم يستطع حقًا التحكم فيها.
دخل ووجد الضوء مشتعل، هو هنا، وهذا ذاد من غضبه وترجل باندفاع نحو الغرفة التي يأتي الضوء منها، هذا عندما وجد أخيه مُلقى على السرير بلا حول ولا قوة وأعقاب السجائر مرمية حوله في كل مكان، كان نائمًا كما يتضح ..
صك مراد على فكيه محاولًا إمساك أعصابه قليلا لكي لا يفيقه بصفعة على وجهه الآن، لكنه لم يحتمل وأمسك بسترته فجأة وهزه ففزع الآخر وبدأ يردد باسم سلمى بهلع وكأن نوبة أصابته .. توتر مراد وتركه بسرعة في حين بدى الآخر وكأنه لا يعي ما حوله ولا يرى من أمامه، بدأ يتراجع للخلف حتى ألصق جسده في الحائط وترقرقت عيناه من جديد ثم شرع يتمتم ب "آسف .."
اقترب منه مراد بهدوء هذه المرة بعد أن أصابته غصة في قلبه على حال أخيه وشعر بالتيه والقلق "أحمد .. أنا مراد."
رفع عينيه له ومسح بظهر يده على عيناه وهو يومئ بجسدٍ مرتعش فجلس مراد بجانبه وهو يتساءل "مالك؟"
ترقرقت عيناه من جديد وأخفض رأسه بخزي وبعدها حارب ليخرج صوتًا مبحوحًا وبدأ يقص عليه كل شيء بينما أنصت الآخر جيدًا حتى انتهى الآخر من كل شيء ومعه بدأ ينتحب من جديد.
سحبه مراد نحو عناق وربت على كتفيه رغم غضبه الشديد مما فعل أخيه، لكنه أشفق عليه حقًا.
"عشان تتعلم إن البنات مش لعبة، وإن الخيانة مش حاجة سهلة يا أحمد .. بس رغم كل ده هو ده كان عمر سلمى، ربنا لا بيقدم أجل حد ولا بيأخره، بس بيسبب الأسباب، ولعله يكون درس ليك عشان تتربى وتعرف إن السكة اللي أنت ماشي فيها دي غلط."
أومأ الآخر بهدوء فربت الآخر على ظهره "قوم يلا، أمك وأبوك هيموتوا عليك في البيت، اغسل وشك وظبط نفسك ما تخوفهومش عليك أكتر، وخليك رجل كده .. الرجل مش بالبنات حواليه، الرجولة بتحمل المسؤولية وبالاحترام، الرجولة إنك تبقى رجل في كلمتك ومشاعرك، أنت عارف أنا ما قربتش من أي بنت ليه؟"
نفى أحمد برأسه فأكمل مراد "عشان ماكنتش شايف نفسي أقدر أقدم لأي واحدة حياة كويسة، وطول ما أنا مش قادر فالأفضل إني ما أبهدلش بنات الناس معايا .. مع إني كان ممكن أعمل أي حاجة تخطر على بالك معاهم، كان ممكن أكذب وأخدع وأخلع .. الموضوع سهل وأنت عارف ده كويس، إنك تبقى عيل ده سهل، الأصعب إنك تبقى رجل له كلمة ويعتمد عليه وتبقى عالي في نظر نفسك وعارف قيمتك كويس."
أومأ أحمد وتمتم "معك حق."
فأكمل شقيقه "ثم إن الحاجات الرخيصة مهما كانت كتير مش هتساوي تمن حاجة واحدة أصلية وغالية، المشاعر برضه كده .. المشاعر المزيفة اللي أنت بتحس بيها مع كم كبير من البنات مش هتساوي أي حاجة قدام حب حقيقي مميز تحس بيه مع واحدة بس."
أومأ فابتسم شقيقه وأكمل "ده حتى ربنا بيقول: ولقد خلقنا لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة. فين المودة وفين الرحمة لما طرف يبقى خاين؟ طب لما تكون مرتبط ببنات كتير .. أنهي واحدة منهم اللي هتسكن إليها؟"
فوجئ بالآخر عينيه تترقرق وبكى من جديد وهو يهمس "أنا كنت حاسس بده مع داليا، بس هي ماتستحقش واحد زيي."
"طب سيبك من ده دلوقتي وقوم، قوم يلا وبعدين هنشوف موضوع داليا هانم ده الله يخربيتك مابتبطلش أبدًا!" مزح فابتسم الآخر رغمًا عنه وتذمر "قولتلك سيبتها!"
قلد مراد نبرته وهو يسخر "سيبتها! ماشي .. طب قوم يا عم التائب خلينا نروح عشان تستحمى، ريحتك معفنة وسجاير وقرف .. ده داليا وسلمى ربنا رحمهم."
وجد الآخر يسخر "ده عشان أنا حزين بس!"
"حزين تقوم ماتستحماش؟ والا أنت مابتصليش يالا صح؟"
ضحك وصمت فسحبه مراد من سترته وهو يزمجر "كنت عارف إن أمك الغلبانة دي هي وأبوك لا هيعرفوا يهشوا ولا ينشوا معاك، بس ماشي .. أنا جيتلك وهربيك من الأول."
دفعه أحمد عنه وتذمر مازحا "ياعم بصلي بس بقطع .."
"آه بتقطع ... لا مافيش تقطيع من النهاردة يا روح أمك، قوم يالا،" شده مراد من جديد فنهض وعدل من هندام سترته وهو يسخر "أنا سايبك بس عشان أنت أخويا، بس لو حد غيرك مسكني المسكة دي ماكنتش هعديها."
"شاطر، وتلم نفسك كده وتتظبط عشان أخوك الكبير ما يضطرش يظبطك."
"أتظبط إزاي يعني؟" استفهم بدون فهم فاقترب منه مراد ووقف أمامه "تتعدل، تبطل السكة اللي أنت ماشي فيها دي وتقرب من ربنا وتصلي ويا ريت لو مافيهاش تتقيل على جنابك تخف سجاير شوية بدل ما يجيلك سرطان رئة وتموت مخنوق، أنا مابقولكش بطلها، بس خف على نفسك."
حك أحمد شعره وأومأ بهدوء.
في مكانٍ آخر كان قيس يمارس تمرين الضغط في غرفته تلك وعلى السرير أدهم الذي يشاهد التلفاز وهو يقلب في قنواته بملل، حتى نهض له قيس وضربه على قدمه "ما تقوم تتمرن معايا بدل ما أنت معصعص كده."
أخفض أدهم يده بجهاز التحكم ونظر لقيس وكأنه يفكر فدفعه الآخر مجددًا "قوم!" فنهض بتكاسل عن السرير وانبطح بجانب الآخر يؤديان ذلك التمرين.
حتى أنتيها وعندها وقع أدهم على وجهه أرضًا وهو يلتقط أنفاسه بسرعة، بينما قفز الآخر ليمسك بهاتفه ويأخذ صورة لنفسه بابتسامة ماكرة، انتبه له أدهم فسأله ماذا يفعل ليجيبه الآخر بأن تلك الصورة سيبعث بها إلى ليلى، وحينها هب أدهم واقفًا ليمنعه
"ماينفعش تبعتلها صورتك وأنت مش لابس تيشيرت! البس حاجة وبعدين اتصور."
بدى قيس معترضًا وغير مقتنعًا وهو يجادل "أنت عبيط ولا فاهم حاجة، كل البنات بيحبوا كده، دول كانوا بيطلبوا مني أتصور أصلًا."
"بس ليلى مختلفة، وممكن تضايق، فأنت ماينفعش تبعتلها صورتك عريان! بعدين أنت مش قولتلي إننا هنعمل اتفاق وإني أعلمك الأدب؟ أنا دلوقتي بقولك ده ما يصحش."
نظر له قيس بضيق وأخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه وبعدها كان قد تخلى عن تلك الصورة والتقط سترته ليرتديها وبعدها أخذ صورة بابتسامة لطيفة ثم بعثها لها ورفع حاجبيه لأدهم بمعنى: جيد الآن؟ فاقترب الآخر وربت على كتفه وهو يضحك "شطور.".
جاء لهما هشام لأجل المذاكرة، لكن بدلًا عن ذلك قد فتحوا موضوع أخمد وغيابه الغير مفهوم من جديد لكن هشام قال بأنه أنهى الجزء الخاص بأحمد في المشروع الذي انتهى بانتهاء جزء أحمد، وفي وسط حديثهم هذا كان أدهم قد نهض للشرفة ليتصل بمراد الذي أخبره بأنه قد وجد أحمد وبأنه في منزله الآن، ثم تملص من قيس وهشام وأخبرهما بأنه سيذهب ليشتري شيئًا؛ فو لم يكن يريد أن يذهبوا لأحمد جميعهم فجأة هكذا، خصوصًا وهو يشعر بأنه الآخير ليس بخير.
بعد ساعة كان واقفًا أمام بيته في المهندسين، رن الجرس بتردد ورسم ابتسامة لطيفة على وجهه عندما فتحت له تلك السيدة التي كان الإرهاق يغلف ملامحها، حياها بأدب وتساءل عن إن كانت والدة أحمد رغم تأكده بأنها هي، أومأت له السيدة وعلى الفور تعرفت على هويته لأن أحمد دائم الكلام عنهم جميعًا ولقد أخبرها بأن أدهم ألطفهم، ثم أفسحت له الطريق وأجلسته في غرفة الصالون حيث بدأت تسأله عما إذا كان يعرف ما الذي حدث لابنها فنفى معرفته بالأمر .. وهذا جعلها تهز رأسها بيأس وتنهض لتقوده نحو غرفة أحمد بهدوء ثم تركته على الباب بعد أن قالت "خد راحتك، أنت في بيتك."
طرق أدهم على الباب فجاءه تذمر أحمد من الداخل "يا ماما قولتلك مش جعان!"
فتح أدهم الباب وهو يمزح "ومش عايز تآكل ليه؟ وإيه ده؟ أوضتك مليانة دخان يا ابني! أنت عايز تقتل نفسك!"
اعتدل أحمد في جلسته على سريره فجأة وأفسح لأدهم مكانًا ليجلس فيه وهو يخفض السيجارة عن فمه، نظر له أدهم بصمت ثم حول بصره لمطفئة السجائر الممتلئة عن آخرها بأعقاب السجائر
"أنت كنت فين؟"
رفع أحمد السيجارة لفمه وأشاح بوجهه بعيدًا فشدها أدهم من يده وأطفأها "أنت لسه متضايق مني؟ طب أنا آسف أني ضربتك."
زم أحمد شفتيه ونظر للأسفل فأكمل أدهم "طب قولي فيه إيه وهنفكر سوا، إحنا مش بنعمل كده لما بيبقى عندي مشكلة؟"
نظر له وابتلع لعابه بضيق وأكمل "سلمى .."
"اللي أنت مرتبط بيها؟ مالها؟ خانتك هي كمان؟"
نفى برأسه وترقرقت عيناه ونظر للأسفل وهو يجيب بغصة "ماتت."
لُجم لسان أدهم ونظر لصديقه ليجده يمسح الدموع عن عيناه وأكمل سرده لما حدث فترقرقت أعين أدهم هو الآخر واقترب ليعانقه ويربت على ظهره
"أقولك على حاجة؟" قال فابتعد أحمد عنه ورمقه بهدوء فأكمل الآخر "بيقولوا رب ضارة نافعة، وأنا شايف فعلًا إنك كنت محتاج تقعد مع نفسك وتعيد حساباتك تاني، خصوصًا في الموضوع ده وموضوع كمان."
"موضوع كمان إيه؟"
"السجاير، ارحم نفسك وارحم أبونا بقى! كلنا بندخن سلبي بسببك!" مازحه وضربه في كتفه
فوجئوا بالباب يُفتح ويظهر قيس وهشام من خلفه
"انتوا بتعملوا إيه من غيرنا هنا؟ يبقى أكيد طنط سعاد كانت صح لما قالت أنكوا لا مؤاخذة ..." مزح قيس بصخب ودخل ويليه هشام الذي دخل يعدل من نظارته بمكر ويردف
"أنا سمعتك وأنت بتكلم مراد وبعدها قولتلنا إنك نازل تشتري حاجة، شكلك كان عبيط أوي وأنت بتكدب."
"أيوة، وشكينا فيكم الصراحة خصوصًا مع تلميحات تيتا سعاد، فقولنا نيجي نتأكد بنفسنا،" أكمل قيس وهو يرمي بجسده بجانب أحمد
"أنت كنت فين يالا؟ هتعملنا فيها مكتئب ومنطفي؟" مازحه هشام فقلب أحمد عينيه وتذمر "ما أنا مكتئب فعلًا!"
"ده منظر واحد مكتئب؟ ده أنت مستحمي وحاطط جل في شعرك وريحتك كولونيا خمسات وقاعد تشرب سجاير!" سخر هشام وهو يحشر نفسه بجانبهم على ذلك السرير الصغير وحينها حاول أحمد دفعهم
"قوم ياض أنت وهو السرير هيقع!"
لكن قيس هز جسده على السرير وهو يقول بثقة "مش هيقع، ده سرير جام.." قبل أن يكمل جملته كان السرير قد وقع بأربعتهم فنظر له ثلاثتهم بغيظ
"أنا جعان، ماتيجوا ننزل نآكل؟"أضاف هشام فنهره قيس "أنت قرفت ميتين أهلي طول الطريق جعان جعان!"
"أنت مالك أصلًا؟" دفعه هشام في كتفه فنظر قيس لكتفه ثم رفع عينيه لهشام وهدده "أنت قد الضربة دي؟"
"اضربني، لو رجل اضربني، عشان أروح أقول لبابا إن أبو نسب ضربني ويفركش الجوازة فوق دماغك،" نطق هشام بنبرة متحدية
ابتسم قيس ابتسامة صفراء وأمسك بوجنتي هشام وهو يقول من تحت أسنانه "بقى أنا هضرب أبو نسب برضه؟ بس اصبر عليا بعد كتب الكتاب بس .."
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجه هشام وسخر "ده لو وصلنا لمرحلة كتب الكتاب."
شرعا بالتهاوش كعادتهما حيث نهضا ليقفا أمام بعضهما كالديكان اللذان يتناقران كلٍ لإثبات سيطرته، بينما راقبهما أحمد بضحكة مكتومة ونهض أدهم ليقف بينهما ويزمجر "هتتخانقوا في بيوت الناس يا قليل الذوق أنت وهو؟"
وحينها فقط توقفا عن التشاجر وعادا ليتحدثان وكأن شيئًا لم يحدث ثم جروا أحمد للخارج وذهبوا إلى إحدى المطاعم ليأكلوا، وعندما كانوا أمام بعضهم على تلك الطاولة، صعقهم أدهم بجملته
"على فكرة أنا قولت لسارة تآخدلي معاد مع أبوها."
توقفوا عن الأكل وطالعوه بصدمة فأكمل "أنا لا يمكن أطلع ندل معاها."
"بالنسبة لأن أبوها لو عرفك هيرفضك؟ وبالنسبة لإنك سايب بيتكم وجدك وجدتك قالبين عليك الدنيا؟" سخر هشام فأجاب الآخر بهدوء
"ما يرفضني عادي، بس ما أبقاش ندل في نظرها ونظر نفسي، وبالنسبة لجدي وجدتي فهما فاكريني مش مسئول عن نفسي وعيل وأنا هثبتلهم إني رجل ويا يقبلوني كده يا إما أنا هستقل بحياتي."
عقد أحمد حاجبيه وأوقفه "ثواني، أنت سيبت البيت ليه؟"
حك عنقه وحرك رأسه لينظر في أعين أحمد الجالس قبالته وهو يجيب "جدتي قالت لداليا كلام مش كويس عشان عرفت إنها مُطلقة .. فكرتها بتلف عليا عشان تتجوزني."
جفل أحمد لوهلة وشعر بالضيق يعتلي صدره من جديد ثم ابتلع لعابه وأخفض رأسه نحو وجبته دون أن يتفوه بأي حرف لكن عقله بدأ يغلي من الداخل .. لماذا تلك الفتاة سيئة الحظ في كل شيء؟ حتى فيه هو! وكأن القدر يرسل لها بالأشخاص السيئين ليزيدوا همها همًا ..
كانت داليا في ذلك الوقت تجلس في شرفتها أمام طاولة صغيرة تذاكر عندما خرجت قطة داني شقيقها وقفزت على السور، لم توليها داليا اهتمامًا كبيرًا حتى وجدت القطة تتحرك لسور شرفة أدهم، نهضت لها داليا بسرعة وبدأت تناديها؛ لأنها تعرف أن أدهم ليس بالداخل وهي لا تريد الاحتكاك بجدته، لكن هيهات؛ فالقطة قد دفعت الباب وحشرت نفسها في جزء صغير ودخلت لغرفته وبعدها شرع صوتها يعلو كدليل على أنها لا تستطيع الخروج وقد حُبسَت بالداخل.
حكت داليا شعرها ونظرت إلى الشرفة وهي تفكر، تقفز وتخاطر بحياتها لأنها ربما ستقع؟ أم تطرق باب تلك الجدة الشمطاء وتطلب المساعدة؟
في موقفٍ غير هذا كانت لتقفز لكنها لو سقطت فسيظن الجميع أنها منتحرة، وهي أبدًا لن تقبل أن يظن عدوها اللدود بأنها أنهت حياتها بسببه؛ لذا فهي لملمت شعرها في كعكة وخرجت على مضض لتطرق باب الشقة المقابلة لهما، طرقت كثيرًا ولم يأتيها ردًا، لكنها لاحظت أن الباب مفتوحًا بالفعل غير أنه موارب.
ابتلعت لعابها ونظرت حولها بتوتر، ثم دفعت الباب قليلًا بتردد، لكن عينيها جحظت فور رؤيتها للجدة واقعة أرضًا بجانب الباب وعكازها مُلقى بجانبها، تملك منها الهلع ولم تستطع فعل شيء سوى الصراخ على أمها وجدها.