31- واحد وثلاثون

نزلتلكوا البارت عشان تسفوا عليه براحتكم على الجروب.
اللي مش على الجروب فايته حياته 😂😂
كان أحمد ما زال يجلس مع ثلاثتهم على تلك الطاولة في ذلك المطعم حتى رن جرس هاتفه، أخرجه ونظر له، ظهر اسمها يضيء شاشته، ولدقيقة شعر بأنفاسه تنحبس بداخله، فقط اسمها على شاشة هاتفه قد بعثره لتلك الدرجة؟ هو لا يعرف ما الذي يحدث له الآن ..
ابتلع لعابه ونهض قائلًا لهم بأنه سيجري مكالمة وسيعود، ثم خرج بسرعة ووقف في مكانٍ فارغ من المارة أمام المطعم، وفتح المكالمة بقلبٍ مضطرب ثم رفع الهاتف لأذنه
"إزيك يا أحمد أنا آسفة إني بتصل ب.." جاء صوتها فقاطعها "أنتِ مش محتاجة تعتذري لكونك اتصلتِ بيا في أي وقت يا داليا."
صمتت لفترة قصيرة ثم أجابت "هو أدهم معاك؟ أنا بحاول اتصل بيه موبايله مقفول."
حزنت ملامحه مرة أخرى ونظر للأسفل وهو يبتلع لعابه "أدهم؟"
"أيوة يا أحمد .. تعرف هو فين؟"
"ليه؟ محتاجاه في حاجة؟" بعد فترة من الصمت نطق أخيرًا محاولًا جعل نبرته طبيعية لكن على العكس، ظهرت مهزوزة وهو قد أدرك هذا عندما سألته هي بالمقابل "هو أنت كويس؟"
صمت ونظر حوله وهو يحاول ابتلاع الغصة التي تكونت في حقه، ولم يمتلك سوى الإجابة بصدق "لا، مش كويس يا داليا."
"مالك؟"
"تايه .. "
"تايه إزاي؟!"
"عارفة لما تكتشفي فجأة في نص الطريق إنك ماشية غلط، وتقفي في النص لوحدك مش عارفة تعملي إيه؟ ولا حتى قادرة تعرفي أنهي الطريق الصح؟"
"أيوة عارفة بس أظن ساعتها بنحتاج مساعدة ترشدنا للطريق الصح،" أجابت فتساءل "مساعدة زي إيه؟"
"زي هدف، أو شغف .. دافع يخلينا نمشي للطريق الصح وما نبصش ورا تاني، حاجة تخلينا نكمل بعد ما وقعنا،" قالت وهي تتذكر أن ما جعلها تستفيق وتراجع نفسها بشأن دراستها هو هدفها بجعل طليقها يرى بأنها لم تنكسر حتى الآن
وعلى الجهة الأخرى كان الآخر يستمع ويفكر مليًا في حديثها
"والهدف ده ممكن يكون إيه؟" استفهم فأكملت "ممكن يكون أي حاجة حرفيًا، كل واحد له حاجة مختلفة بتكون هي المحرك ليه، يعني أنا مثلًا بحب أبان قوية، وممكن يكون ده دافعي، أنت بتحب إيه؟"
بدون تفكير أجاب "بحب أخلي اللي حواليا مبسوطين وأساعدهم وأدعمهم عاطفيًا."
وبدون تفكير هي أيضًا أضافت "خلاص، دور على حد ممكن يكون هو محتاج ده منك، وحطه دافع قدامك إنك مكمل في الطريق الصح عشانه، واللي هيتأذي مثلًا لو أنت قررت تمشي غلط تاني."
قطب جبينه وفكر مليًا فيما قالته، شخصًا يحتاج مساعدته ويحتاج دعمًا عاطفيًا ويحتاج أن يجعله سعيدًا؟ وعلى حسب حالته فيجب أن تكون فتاة؟ كي تكون دافعًا له لعدم العودة لمطاردة الفتيات من جديد ....
"أحمد، أنت معايا؟" وصل صوتها لمسامعه فابتسم ابتسامة جانبية وأجاب بهدوء "أنا معاكِ."
"فهمت أنا قصدي إيه؟"
زم شفتيه وابتسم وهو يومئ وكأنها تراه "فهمت."
"بس أهم حاجة يكون عندك النية، النية أولًا ثم الدافع والتنفيذ، مافيش حاجة بتتم طالما ماعندناش نية ليها."
"عندي النية،" قال وهو يضع يده في جيبه فأكملت "طب تمام كده ناقصك الدافع."
رفع عينيه للسماء وهمس لها "وعندي الدافع."
"طب خلاص كده، إن شاء الله ربنا يهديك للخير يا أحمد."
"بس تفتكري ممكن حد يتغير؟"
تنهدت وأجابت "التغيير صعب، بس فيه حاجات بتغيرنا غصبًا عننا يا أحمد .. ساعات بنكون مغمضين وفجأة تيجي حاجة تلطشنا بالقلم فتخلينا نفتح، ولما بنفتح بنتصدم وبعدها بنتغير."
قفزت سلمى أمام عينيه مجددًا لتجعل نبضات قلبه تتسارع والحزن يطغى عليه من جديد وهمس لها "عندك حق." ثم أكمل مغيرًا الموضوع "ما قولتيش، كنتِ عايزة أدهم في إيه؟"
"جدته في المستشفى، أنا هناك أنا وماما معاها، لأن ماحدش فينا يعرف رقم جده ..".
بعد ساعة كان أدهم يهرول لداخل تلك المشفى باندفاع وبجنون وهو يسأل هنا وهناك بهلع عن غرفة جدته، حتى وصل إلى الغرفة التي قادته لها الممرضة، وجد داليا تجلس على الكرسي أمام الغرفة بجانب والدتها وكلاهما واجمان، لكنها نهضت له لتطمئنه عندما رأته في تلك الحالة، أخبرته بأن ضغطها كان منخفضًا جدًا وبأنها بخير الآن لكنها نائمة، وهنا تدلخت والدتها التي وبخته بشأن تركه لجدته وحيدة في ذلك المنزل
ابتلع لعابه ونظر لداليا ليجيب "أتخانقنا أنا وهي عشان اللي قالتهولك." فقطبت داليا جبينها بضيق وأومأت "حصل خير، بس ماتسيبهاش تاني، دي ست كبيرة."
كان الثلاثة قد وصلوا إلى الغرفة عندما دخل أدهم لرؤية جدته، ابتلعت داليا لعابها عندما أصطدمت بأعين أحمد، ضربات قلبها قد ارتفعت بقوة وتوترت كثيرًا لكن أيًا من هذا لم يظهر على وجهها الذي بقى ثابتًا باردًا
تقدم أحمد ليصافح والدتها وبدأ يعرفها على نفسه بأنه من كان يدخن السجائر في شرفة أدهم، ولقد شرع يفتح بعض المواضيع مع أمها التي بدأت تستلطفه كما هو واضح وكما كان هدفه تمامًا في حين تابعتهما داليا بصمت
"بس تعرفي يا طنط، حضرتك شبه ماما جدًا!" قال لها أحمد فابتسمت بتوسع وحينها كان قد أخرج هاتفه ليريها والدته مع بعض صور العائلة حيث بدأ يعرفها عليهم فردًا فردًا وبالاسم، مع إلقاءه لبعض المزحات التي قد جعلتها تضحك
بينما كانت داليا قد عقدت حاجبيها وهي لا تفهم ما الذي يحدث هنا؟
لكنها تشتت عندما تقدم هشام يعدل من نظارته وتساءل "هي تيتا سعاد كويسة؟" فأومأت له داليا بهدوء،
فتقدم قيس ليجلس بجانبها على الكرسي المجاور، وحينها وجد أحمد يرفع عيناه فجأة وينظر له ثم نظر لداليا، لكنه سرعان ما عاد لوالدتها ليكمل حديثه معها، وذلك لم يمنعه من إلقاء بعض النظرات لقيس الذي حك عنقه ونظر لداليا متسائلًا عما حدث؟
خرج أدهم بعد قليل وطمئنهم وأخبرهم بأنه سيبيت معها الليلة.
كانوا جميعًا في طريقهم إلى خارج المشفى عندما توقف أحمد وأصر أن يوصل داليا ووالدتها لأن الوقت بات متأخرًا، وتحت تصميمه ذلك قبلا وركبا معه سيارة الأجرة.
ومنذ أن رآهما لحين وصولهما إلى المنزل، هو لم يرمي بحرفٍ حتى إلى داليا، بل كان كل كلامه إلى والدتها بل وحتى قد أخذ رقمها، استغربت داليا فعلته تلك كثيرًا ولم تفهم ماذا يريد من أمها؟ حسنًا أمها أرملة لكن هي أكبر منه بكثير! لا يمكن أن يكون يحاول التودد إليها!
صعدت والدتها على الدرج وكانت ستلحق بها عندما أوقفها أحمد "داليا." فاستدارت له بهدوء
ابتسم واقترب منها فراقبته بصمت وهي تتنفس بصعوبة حتى وقف أمامها وأمال عليها ليهمس "على فكرة، البلوزة بتاعتك أنتِ لابساها بالمشقلب."
توسعت عينيها ونظرت سريعًا لسترتها التي لبستها سريعًا دون التركيز لكي تلحق بسيارة الإسعاف .. ولقد كان محقًا ..
قبل أن تتكلم وجدته يتحرك متخذًا طريقه للخارج.
فور صعودها قد وجدت والدتها تزيل الحجاب عن رأسها وهي تقول بابتسامة واسعة "أحمد ده عسول خالص، ومدردح كده وكلامانجي ودمه خفيف."
قلبت داليا عينيها ولم تعلق بشيء بل سارعت بالدخول إلى غرفتها.
في اليوم التالي اجتمعوا سويًا في منزل أدهم ليذاكروا هناك لأنه لا يستطيع ترك جدته بمفردها، كانت سعاد قد استفاقت صباحًا وعرفت ما حدث وقد وجدت حفيدها الوحيد نائمًا على الكرسي بجوارها، فور رؤيته بدأت بالبكاء لأنها ظنته لن يعود وظنت نفسها ستموت وحيدة في ذلك المنزل ولن يعرف أحدهم إلا بعد أن تتحلل جثتها؛ فزوجها دائم الغياب عن المنزل ..
طمئنها أدهم وأعتذر لها وأخبرها بأن داليا وأمها هما من جلباها إلى هنا وهي من اتصلت به ليعود، خجلت من نفسها كثيرًا لكونها قد أساءت لتلك الفتاة ليس لمرة واحدة، بل لبضع المرات.
عادت معه إلى منزلها حيث أخبرها أدهم بأنه لن يتركها ثانيةً وقبل رأسها وجلسا يأكلان سويًا في سريرها، كان على وشك فتح موضوع التقدم لسارة معها عندما جاء ثلاثتهم بالكتب وبكل شيء، ودخلوا يطمئنون على أحوالها.
حاول أحمد إضحاكها بتعليقه "لعلمك، أدهم كان بايت عندي."
قلبت عينيها وضحكت بتعب هذه المرة فنفى قيس "لا كان بايت عندي أنا يا تيتا."
لكن هشام تدخل "بس أنا كنت موجود كمحرم يعني .."
"بس ياض يا جزمة منك له،" تهكم أدهم ودفعهم جميعًا للخارج ليتركونها ترتاح قليلًا ويركزوا هم على مذاكرتهم.
كان قيس قد مل من المذاكرة عندما رفع رأسه لأحمد "بس أنت مالك كده أتحولت من إمبارح؟ أنت مش كنت على وشك تقطع شرايينك وعاملنا فيها أسير الأحزان؟"
توتر أحمد وحمحم "مافيش، عادي يعني!"
أومأ قيس بابتسامة ساخرة؛ فلا هو لا يصدق ويعرف ما هو سر هذا التحول السريع .. الغريب أنه لم يتلكك بتدخين سيجارة ليخرج إلى الشرفة اليوم! لكنه لم يستريح إلا وهو يجر قدم هشام لمشكلة
"وأنت إيه أخبارك مع رحومة؟"
"والا لم نفسك يالا!" زمجر هشام فابتسم الآخر باستفزاز "خليك كده زي الفرخة البلدي لحد ما تطير منك إن شاء الله وتروح تشوفلها ديك شجاع بيتكلم."
"قصدك إيه؟"
رفع قيس كتفيه بابتسامة خبيثة "ماقصديش."
لكنه ترك هشام والدناء تغلي في عروقه وهو يفكر مليًا فيما قال ذلك الوغد لدرجة أنه لم يستطع إكمال المذاكرة بنفس التركيز.
في اليوم التالي كانت أم داليا قد طرقت على الباب المقابل لها وهي تحمل صينية من الكنافة منزلية الصنع، والتي أهدتها لجدة أدهم التي شعرت بالخزي من نفسها أكثر وجلسا سويًا في صالون المنزل يتكلمان قليلًا وحينها حمحمت سعاد وتكلمت
"ماتزعليش مني يا أم داليا، وقولي لداليا ما تزعلش .. دي زي أدهم والله."
ابتسمت الأخرى ابتسامة متفهمة وأومأت "مافيش حاجة، على فكرة أدهم ده زي أبني وزي أخوها داني كده."
وفور إنهائها لجملتها قد وجدت داني يتسلل إلى الداخل وهو يحمل قطته وقفز ليجلس على قدمها "ماما، قطتي جعانة."
"مش تسلم على تيتا الأول؟"
نظر لها الطفل ببراءة وتقدم بخجل ليصافح تلك العجوز التي سحبته لتقبلة على وجنته من فرط لطافته، ثم نهض تستند على عكازها وهي تتمتم "تعالى، أدهم بيجيب أكل للقطط على طول .. تعالى نأكل قطتك.".
في مكانٍ آخر كانت غادة واقفة في الشرفة منذ الساعة ولم يظهر ذلك الوغد حتى الآن!
نفخت الهواء من فمها وكانت ستدخل عندما خرج هو عاري الصدر من جديد، ورغم سعادتها بأنه قد ظهر لكنها زمت شفتيها بضيق وهي تنظر للأسفل بغيظ كونه لا يرتدي سترة
استند على السور ونظر هنا وهناك وهي أمامه، حتى تقابلت أعينهما .. تبادلا النظرات لوهلة .. كلاهما ينتظر الآخر أن يتحدث لكن لا أحد منهما فتح فمه بحرف
حك مراد شعره وهو ينظر نحوها من جديد، ترتدي ملابس فضفاضة، كانت جميلة هو لا ينكر هذا، وجهها نحيف وملامحها رقيقة مع بشرة بيضاء وشفاه ممتلئة وأعين سوداء ..
تذكر قول أحمد بأنها قد (شرشحت) له عندما أراد مغازلتها وابتسم؛ فهذا يعني أنها لم تدخل إلى أية علاقة من قبل ... مثله.
حسنًا لن يكذب، كانت هناك تلك الفتاة الألمانية التي توددت له كثيرًا فمال إليها رغمًا عنه، حتى بدأت تحاول إغوائه لما يغضب الله فرفض فغضبت ووجدها في اليوم التالي تتبادل القبل مع رجلٍ آخر أمام عيناه .. لم يؤثر فيه الأمر كثيرًا لأنه بالفعل كان ليس مقتنعًا بها، وفعلتها تلك قد زادته تصميمًا على عدم الزواج إلا من فتاةٍ مسلمة شرقية، لذا فهو لا يعتبرها علاقة بالأساس.
اشتعلت غادة خجلًا عندما وجدته سارحًا وهو ينظر إليها فهرعت لتدخل إلى شرفتها، وحينها قد وجدت أمها في وجهها تبتسم وتقول بنبرة خبيثة
"عيني فيه وأقول إخيه!"
قطبت جبينها وزمجرت "قصدك إيه؟"
"قصدي طيرتِ الواد ودلوقتي لما طار بقى حلو؟! منك لله يا شيخة."
حزنت ملامحها وتحركت نحو أمها لتحمحم بنبرة حزينة "ماما، هو ما ينفعش نجيبه تاني؟"
"ليه؟ هو مش كان سلبوتة وعلى جثتي أتجوز سلبوتة يا ماما؟" تهكمت من جديد فبدأت الأخرى ترجيها بأن تجد لها حلًا ولقد تركتها الأخرى تذلل قليلا حتى أومأت "طب ماشي .. سيبيني هفكر.".
كان دكتور مصطفى يجلس في منزله يرتدي تلك البذلة الرسمية وبجانبه ابنته سارة التي ارتدت فستانًا أبيض بسيط وابتسامة خجولة تعلو شفتيها، كلاهما ينتظران العريس القادم اليوم
جائت والدتها وجلست بهدوء بعيدًا عن إثنيهما حينما تحدث مصطفى "وأنتِ متأكدة من أخلاقه؟"
"أيوة يا بابا وحضرتك هتشوفه دلوقتي بنفسك."
"لما نشوف،" سخر مصطفى وقطب جبينه بضيق؛ يبدو الغضب على وجهه جليًا لزوجته التي تجلس على مقربة منه وتعرف بماذا يفكر جيدًا .. فهو لا يريد من سارة أن تتزوج وتتركه، هي ابنته الوحيدة ولا يستطيع تخيل أن رجلًا آخر سيأخذها.
رن جرس الباب فنهضت سارة لتفتح لأدهم الذي وجدته يرتدي بذلة سوداء أنيقة ويحمل في يده باقة من الورود الحمراء، ابتسم لها وهمس "عاملة إيه؟ وحشتيني .."
خجلت وابتستمت وهي تتمتم "الحمد لله .. وأنت كمان."
سمعت حمحمة من والدها فتحركت بعيدًا عن الباب حينما أخذ أدهم نفسًا عميقًا في استعداد لمواجهة دكتور مصطفى الذي لا يعرف حتى الآن كينونة العريس الذي يطلب يد ابنته.
ترجل للداخل حينما نهض مصطفى ليصافحه لكن فور وقوع عينيه على وجه أدهم كان الغيظ قد اشتعل في رأسه فجأة
"أنت إيه اللي جايبك هنا؟"
مثل أدهم المفاجأة وحمحم بصدمة "دكتور مصطفى! هو حضرتك تبقى أبو سارة؟"
نظرت لهما سارة بدون فهم "أنتوا تعرفوا بعض؟"
وحينها ضحك مصطفى وسخر بصوتٍ مرتفع "البيه ده اللي أنتِ عايزة تتجوزيه وبتقولي عليه مؤدب؟ ده بلطجي ومصاحب حبة صيع .. هما اللي كسرولي مكتبي، ودلوقتي جاي تتقدم لبنتي؟ يا بجاحتك يا أخي!"
"ثواني .. أدهم أنت قولتلي إنك في ميكاترونيكس! ماقولتش إنك في ميكانيكا!" توجهت سارة بالسؤال له فأجاب بثبات "أنا قولتلك ميكا .. مش ذنبي إنك فهمتيها ميكاترونيكس، أنا كان قصدي ميكانيكا."
"خد وردك ده كده، أنت مرفوض من دلوقتي .. يلا مع السلامة،" قال مصطفى فنهضت زوجته "يا مصطفى طب اسمعه، مش يمكن الولد مظلوم!"
تبادل أدهم النظرات مع سارة التي ترقرقت عينيها وهي تنظر له بحزن فابتلع لعابه وعاد برأسه إلى مصطفى
"يا دكتور مصطفى إحنا اعتذرنا ليك كذا مرة!"
"واعتذاركم مش مقبول ولعلمك، أنتوا الأربعة قسمًا بديني ما هتنجحوا ولا تعدوا من القسم ده طول ما أنا رئيسه."
كانت زوجته ستتدخل عندما وجدت ابنتها قد جلست تبكي لكنه صرخ في وجهها "أمل، اسكتي .. مافيش ولا كلمة زيادة .. وأنت اخرج برا دلوقتي."
رفعت سارة عينيها لأدهم الذي زم شفتيه وتمتم لها بأسف حقًا "أنا آسف." ثم رفع عينيه لأمها وتمتم بحزن"بعد إذنك يا طنط."
وسرعان ما خرج مهرولًا من ذقتهم حتى ترك البناية كلها، وعند أول سلة مهملات كان قد ألقى باقة الورود من يده فيها، ثم أكمل سيره بهدوء
كان حزينًا نعم، لكنه يشعر بالراحة النفسية كثيرًا .. فالآن لقد أصبح كل شيء واضح، حتى لو تدمرت علاقته بسارة .. الأهم أنه أصبح لا يمقت نفسه ولا يستحقرها؛ فلقد أثبت أنه رجلٌ وعند كلمته لآخر لحظة.
عاد إلى منزله فاصطدم بداليا وأمها وأخوها يجلسون مع جدته، قطب جبينه وترجل بهدوء ليرحب بهم ثم جلس بدون فهم فأخبرته جدته "أصلي عزمت خالتك هناء وداليا يتغدوا معانا."
لوهلة نسي حزنه ورمى بابتسامة نحو داليا التي ابتسمت له أيضًا لعلمهما بأنهما يستطيعان التحدث سويًا من جديد الآن .. ولقد شرعا يتكلمان بالفعل عندما جلسا بجانب بعضهما على السفرة حيث همس لها "أبو سارة رفضني."
توقفت عن مضغ الطعام وتوسعت عينيها وهمست له "يخربيتك! أنت روحت اتقدمت لوحدك؟"
"مش هتفرق ما هو رفضني!" سخر وأكمل أكله فسمعها تهمس "معلش .. ربنا هيعوضك إن شاء الله."
انتظرها حتى وضعت لقمة في فمها فتكلم من جديد "وسلمى ماتت."
توقف الطعام في حلقها وبدأت بالسعال ثم نظرت له بأعين جاحظة "إيه!؟"
فرفع كتفيه وكرر "سلمى ماتت وأحمد شكله هيلم نفسه .."
ابتلعت لعابها ومثلت اللا مبالاة وهي تجيب "يلم نفسه ولا ما يلمش نفسه، أنا مالي أصلًا!"
كانت سعاد مشغولة بإطعام داني الصغير الذي بدى لها بأنه لُعبة لطيفة قد وقعت لها من السماء؛ فهي كانت دائمًا وأبدًا محبة للأطفال غير أن الله لم يرزقها إلا بابنٍ وحيد قد توفى وترك لها حفيدًا واحدًا فقط قد أصبح أغلى شيئًا لها وتطمح برؤية أبناءه قبل أن تقضي أجلها في تلك الحياة.
بينما راقبت هناء أدهم وداليا يتوشوشان بخفوت، وشعرت بالألم في صدرها وقلبها؛ فلولا ما حدث مع ابنتها لكان أدهم قد أصبح زوجًا مثاليًا لها، تراهما متناغمان كثيرًا لكنها تعرف بأن ابنتها لا تناسبه كونها مطلقة وليس هذا فقط، بل أن هذا حدث دون زفاف .. تسمع الجميع يتهامسون على ابنتها بأنها هي من سلمت نفسها لخطيبها قبل الزفاف ولا يصدقون بأنه قد أعتدى عليها لينتقم منها.
أخفضت رأسها بحزن ومسحت فمها بالمنديل؛ فلقد فقدت شهيتها فجأة وواتتها رغبة بالبكاء الآن بينما أكمل أدهم مشاكسته لداليا
"عيني في عينك؟ مش مهتمة؟"
"أدهم .. أنا شيلت الموضوع ده من دماغي تمامًا، لا أحمد ولا غيره."
وضع الطعام في فمه وهمس "طب كلي وامشي وقابليني في البلكونة.".
في نفس الوقت كان هشام يجلس أمام رحمة في ذلك المقهى، يلتفت حوله باستمرار وبصورة مستمرة وكأنه كاللص الذي يستعد لنشل أحد الراكبين في حافلة نقل عامة ممتلئة عن آخرها بمواطني الطبقة المتوسطة.
بينما كانت الأخرى تنظر له بسعادة بالغة تغلف ثناياها، ولم تصدق أنه اتصل بها وطلب مقابلتها حقًا! لدرجة أنها طلبت من أختها أن تصفعها على وجهها لكي تتأكد، وعندما تأكدت بأن هذا حقيقي كانت قد سارعت بانتقاء أفضل ملابسها وتزينت ثم اخترعت حجة مناسبة لوالدها وخرجت.
لكنه يجلس منذ الربع ساعة أمامها ولم يتفوه رأي شيء
"ما تنجز يا اسطا أنا قايلة لأبويا نازلة أشتري كريم من الصيدلية!" تمتمت بحنق لتدفعه كي يتكلم ويدلي بما يريد التصريح به فحك عنقه وتكلم
"تشربي إيه؟"
توسعت عينيها ورمقته بغيظ "لا مش وقت شرب يا حبيبي! مافيش وقت .. إحنا مش في برنامج صباح الخير يا مصر."
عدل من نظارته وحمحم "أنا كنت عايز أقولك حاجة، حاجة مهمة."
"آه، إيه هي الحاجة بقى ها؟ إيه هي الحاجة؟"
"أنتِ عارفة إني شوية وهتخرج وكده وإني بقيت بشتغل في مصنع المرشدي وكده وبعد ما اتخرج إن شاء الله كمان هتعين معيد لأني الأول في الأربع سنين اللي فاتوا والسنادي كمان هكون الأول إن شاء الله."
"آه عارفة،" قالت بابتسامة واسعة فابتلع لعابه ليبلل حلقه الذي جف، ومسح العرق عن جبينه بمنديل وهو يتنفس بصعوبة
"وليلى هتتجوز .." أكمل فتهكمت "ألف مبروك يا سيدي، عقبالك."
"ما هو .. ما هو إن شاء الله يعني أكيد بعد ما هي تتجوز أنا هخطب وكده .."
صمتت وابتسمت ابتسامة خجولة، بدأت تشعر بأن الموضوع يجري بسلاسة الآن وبأنها ستنال ما تريد أخيرًا وسيخبرها الآن بأنه يحبها ويريد الزواج بها، لذا فهي تركت له مساحة ليتكلم
"أنا عارف إنك بتحبيني، وعايزة تتجوزيني،" صدمها بجملته فسقطت ابتسامتها ورفعت عينيها ببطء نحوه ورمقته بغيظ "نعم؟!"
"آه، ده الناس كلها عارفين، ماما وبابا وليلى، ده حتى قيس وأحمد وأدهم عارفين،" أكمل فقضمت شفتها السفلى بغيظ ونطقت من تحت أسنانها
"لا والله؟"
"آه والله!"
صكت على فكيها ورمقته بنظراتٍ حارقة ودخانٍ وهمي قد بدأت يخرج من أذنيها.
"طب إيه؟ آجي أتقدملك يعني؟" سخرت بغلٍ دفين فنفى برأسه "لا، أنا عايزك تستنيني لحد ما أكون نفسي وأشتري شبكة وكده وآجي أتقدملك."
تناست كل شيء وابتسمت بتوسع "بجد؟" فأومأ بابتسامة مُحرَجة
"طب وهتتقدملي ليه؟"
رفع كتفيه وأجاب "محترمة وحلوة وأهلك ناس طيبين ومتعلمة وبتحبيني، ما أتجوزكيش ليه؟ بصي أينعم أنتِ عبيطة شوية كده ودماغك لاسعة بس مش مشكلة يعني، ماحدش كامل."
سقطت ابتسامتها ورمقته بازبهلال "ومالك جاي على نفسك كده ليه؟"
لم يفهم فنهضت تسحب حقيبتها وهي تسخر "لا بلاها الجوازة دي أصلًا، أنا زهقت منك ياض أنت، مش كفاية صابرة على غبائك بقالي أربع سنين ولسه كمان هصبر زيادة وتقولي هتتجوزني عشان بحبك، وأنك هتقبل بيا رغم إن دماغي لاسعة! أنت هتجبي عليا!"
تحركت أعين الجميع نحوهم فنهض هشام باحراج ليمسك بحقيبتها "ما تبقيش مجنونة الناس بتبص علينا!"
"يبصوا ولا ينيلوا اوعى إيدك يالا، سيب الزفتة عايزة أمشي،" صرخت في وجهه وسحبت حقيبتها فشدها منها وزمجر "بلاش قلة أدب، لمي نفسك .."
"أنا اللي قليلة الأدب يا دبش ياللي ماتعرفش حاجة اسمها ذوق!"
"أنا مش دبش، أنا بس مكسوف أقولك إني معجب بيكِ!" نطق باندفاع ولم يعي ما قد تفوه به إلا عندما صمتت وهدأت وتعلقت أعينها وأعين الجميع عليه
ابتلع لعابه وترك الحقيبة وبدأ يتلفت حوله مثل اللصوص من جديد في حين ابتسمت هي بتوسع وهمست "إيه؟!"
"لا مافيش .." قال فصاحت "لا، أنت قولت إنك معجب بيا، صح؟"
لم يجيب فجاء صوت شاب من آخر المقهى "ياعم ما تخلص وقولها إنك بتحبها بقى قرفتونا.".
_____________________________
ااه البارت انتهى
لو مكان رحمة كنتوا شرشحتوا لهشام أكتر ولا ضربتوه؟ 😂