32- تَغيُرات

وها قد عدنا إليكم من جديد بعد طول انتظار .. 🤭
رواية أربعة في واحد - الفصل 30 - تَغيُرات

"إزيك يا طنط، ماما باعتة لحضرتك طبق المحشي ده، أصلنا عملنا حلة كبيرة وأنتِ عارفة إن أنا وهي بس قاعدين لوحدنا فمستحيل نخلصها، وهي عارفة إن حضرتك بتحبي المحشي وكده،" قالت غادة بطريقة لطيفة وهي تمد يدها بذلك الطبق الكبير المغلف بورق الألومنيوم

أخذته أم مراد من يدها وهي تبتسم "قوليلها تسلم إيديها."
"ربنا يعزك يا طنط، هستأذن حضرتك،" قالت وهي تتراجع لكن يد أم مراد سبقتها "والله ما يحصل، لازم تدخلي وتشربي حاجة."
"المرة الجا.." همت لتعترض لكن الأخرى قاطعتها "أنا حلفت بالله، ولا أنتِ عايزة ترمي حلفاني في الأرض؟"
ابتسمت بتوتر ودخلت معها وهي تنظر حولها مستكشفة المكان، منزلهم لطيف، الأثاث وكل شيء يبدو غاليًا وهي حتمًا تعرف من دفع ثمن كل هذا.
أجلستها أم مراد في الصالون ثم استأذنت منها لتنهض وتجلب لها شيئًا تشربه، ورحلت لتترك غادة بمفردها تنظر حولها وهي تبتلع لعابها باحراج، لم يكن عليها أن تسمع كلام أمها وتفعل هذا، الوضع محرج بشدة ..
عادت أم مراد بعد قليل وهي تحمل صينية يعلوها كأسًا من عصير المانجو وطبقًا صغيرًا به قطعة جاتوه، وضعتهم على الطاولة وحلفتها بالله أن تأكلهم، ثم بدأت تفتح معها بعض الأحاديث عن أشياء عشوائية.
هذا حتى خرج مراد من غرفته بعد قليل بصدرٍ عارٍ يحك شعره وعينيه بنعاس ويقول بنبرة خشنة من أثار النوم "ماما، أنا جعان."
بدا طفوليًا كثيرًا بتلك الجملة التي تفوه بها ووجهه الأحمر وشعره الأشعث الغير مصفف ..
توسعت أعين والدته ووبخته "يا ابني البس حاجة، عيب كده عندنا ضيوف!"
فتح عينيه ليتبين من هم الضيوف فوجد غادة تخفض رأسها وتعلق عينيها على طبق الحلوى في يدها، توقف عقله قليلًا لعدم فهمه ما الذي سيجلب غادة إلى منزله؟
حركت والدته رأسها لغادة وبدأت تعتذر لها "معلش يا حبيبتي، من ساعة ما جه وهو قاعدلنا بالمنظر ده، وكل ما حد يكلمه يقول الجو هنا حر عن ألمانيا وأنه أتعود على الجو هناك ومش طايق الهدوم."
قلب مراد عينيه وتجاهل ذلك الحديث ثم كرر "جعان يا ماما."
"خد، فيه طبق محشي سخن لسه خالتك أم غادة باعتاه أهو، دي حتى غادة هي اللي عاملاه،" قالت وهي تشير له على طبق المحشي فحرك عينيه نحو غادة التي وجدها تنظر له محاولةً تبين ردة فعله، لكنها أخفضت عينيها بسرعة عندما نظر لها.
تحرك ليجلس وفتح الطبق بهدوء، ثم تذكر ونهض للمطبخ ليجلب شوكة، أثناء عودته سمع صياح أمه "يا ابني البس حاجة ماتتعبش قلبي!"
لكنه تجاهل ذلك وتحرك ليجلس أمامهما وسخر "عادي، ما هي شافتني سلبوتة كتير .. مش جديدة يعني."
ثم غرس شوكته في الطبق ووضع إصبع المحشي في فمه، مضغه أولا مستكشفًا طعمه، ثم بدأ يتلذذ به عندما وجده جيدًا
رفع رأسه لغادة وضيق عينيه "حلو، أنتِ اللي عاملاه؟"
جف حلقها ونفت برأسها وهمست بصوتٍ مبحوح "لا لا لا .. مش أنا لا."
"بس ماما قالت إنك أنتِ اللي عاملاه!"
ارتفعت ضربات قلبها وحمحمت "أنا وماما عملناه سوا .. ما هي علمتني أصلها .."
"اوعي تكوني بس حاطالي فيه سم،" مزح مذكرًا إياها بما قالته له عندما تقابلا في تلك المقابلة المنحوسة، عندما أخبرته بأنها لو زوجته كانت لتضع سم الفئران في طعامه.
ضحكت بإحراج ونفت برأسها ثم وضعت طبق الحلوى من يدها ونهضت تعدل من حجابها "طب هستأذنك يا طنط عشان زمان ماما قلقت عليا."
أومأت لها أم مراد ونهضت لتوصلها للباب أثناء متابعة مراد لها بعينيه.
رحلت وأغلقت أمه الباب ثم عادت بابتسامة ماكرة له، وقبل أن تتفوه بأي شيء كان أحمد قد خرج من غرفته يضحك عاليًا وجلس بجانبه ثم سخر "أنت بتتشقط بطبق محشي يا اسطا!"
ركله مراد بقدمه وهو يضع إصبع محشي آخر في فمه، ثم جلست والدته بابتسامة واسعة تقول "على فكرة، واضح إنها رجعت في كلامها وعايزة الموضوع."
أكمل مراد مضغه للطعام وتمتم "بس حلو المحشي."
"واللي جابت المحشي حلوة برضه،" قهقه أحمد وضرب كفه بكف والدته أثناء خروج أبويهما من غرفته يحرك عجلات كرسيه
"تعالى يا بابا، شوف ابنك الكبير بيتشقط بطبق محشي!" صاح أحمد وهو يكمل قهقهته فركله مراد مرة أخرى وزمجر "والا، لم نفسك يالا."
"بس يا أحمد سيب أخوك في حاله،" قال والده ثم نظر لمراد وتساءل بجدية "حلو المحشي ده يا مراد؟"
أومأ فوجد والده يقهقه "طب على خيرة الله، نروح نخطبهالك أمتى؟" ثم ضرب كفه بكف أحمد الذي أمسك ببطنه من كثرة الضحك
تذمر مراد وقلب عينيه فنهضت والدته تربت على ظهره وتحتضنه "مالكش دعوة بيهم يا حبيبي."
"آه، هو حبيبك وتحضنيه وأنا يتقالي يا زفت يا قطران يا قرف ولما آجي أبوسك تهشيني زي الفراخ!" تهكم أحمد وهو يكمل ضحكاته فسخر مراد "ما أنت قرف فعلًا، ماما عندها حق."
"على الأقل ما بتشقطش بطبق محشي!"
"بس ياض، وأيوة هو ابني حبيبي قرة عيني، إنما أنت؟ أنت جايلي غلط، أكيد بدلوك في المستشفى بعد ما ولدت."
"باااس، أنا أروح أحضن وأبوس أبويا ولا تقوليلي بدلوك ولا لقيناك قدام باب جامع،" قال وهو ينهض ليحتضن أبيه لكن أباه قد دفعه بعيدًا وضحك "لا، روح احضن أمك."
وقف في وسطهم ينظر لهم بأعين ضيقة ثم توعدهم "تمام، حلو أوي كده .. أنا هروح أحضن المزة بتاعتي .. بس ماتبقوش تزعلوا، لأن أصلًا لو أنتوا بتحضنوني ماكنتش دورت على حضن تاني برا."
"هتحضن أنهي مزة فيهم طيب؟" ضحك مراد عاليًا فتبعاه والداه وسخرت أمه "مزة واحدة؟ قول هيحضنله خمسة ستة، ده حضنه كبير ويساع من الحبايب خمستاشر."
ثم تلاها أبيه "خمستاشر؟ أنتِ مستقليه بقدراته للدرجة دي؟ ده مرة كنت معاه وعاكس واحدة وفي ظرف ربع ساعة كان واخد رقمها."
ضحكوا عاليًا فوقف أحمد ينظر لهم "خلاص؟ خلصتوا ضحك؟ طب لعلمكم أنا ماعنديش أي مزز دلوقتي وسنجل بائس حزين."
أومأ مراد وقال بجدية بعد أن توقف عن الضحك "آه يا جماعة بصراحة الولد خلاص تاب وهو دلوقتي ماعندوش أي مزز."
نظرت له أمه بشك ثم رجعت بعينيها لأحمد "ده بجد؟"
"آه والله سيبتهم كلهم،" أومأ وهو يحك عنقه بتوتر فابتسمت ورفعت كفيها للسماء تدعو له "ربنا يهديك يا أحمد يا ابني وتسيبك من البنات خالص."
لكن الآخر سارع بإمساك يدها "لا كده الدعوة غلط، أسيبني من البنات خالص هروح لصنف تاني، هنروح في داهية كده!"
جذبته لحضنها وأحاطت به لتعانقه وهي تقول "ربنا يهديك ويرزقك ببنت الحلال اللي تمشيك على عجين ما تلغبطهوش يا حبيبي."
"هحضنك أنتِ بقى وخلاص لحد ما هي تيجي،" تمتم وهو يضحك فدفعته عنها ونهضت له تخلع خُفها "آه يا كلب."
هرول بعيدًا لكن خُفها كان قد لحق به بالفعل فانحنى وألتقطه عن الأرض ثم هددها "ولما أرميهولك في الشارع دلوقتي؟" لكنه وجد الخُف الآخر يلتصق به.
كانت ليلى قد خرجت من كليتها برفقة رحمة وبعض زميلاتهما عندما وجدت قيس يستند على سيارته في وجهها، قطبت جبينها واستأذنت منهم ثم تحركت نحوه وهي تعدل من خمارها بتوتر
"قيس، بتعمل إيه هنا؟"
لاحظت ملامح وجهه الحزينة والقلق قد اعتراها فأردفت "مالك؟ أنت كويس؟"
نفى برأسه ثم طالعها بنظرة بائسة "ممكن نروح مكان نتكلم فيه؟ ولا أصحابك هيتضايقوا؟ أنا ممكن أمشي لو.." قاطعته "لا مش هيتضايقوا .. ثواني هروح أقولهم وهتصل ببابا أقوله."
أومأ وراقبها تبتعد لتتحدث إليهم ثم اتصلت بأبيها الذي سمح لها بسبب حبه غير المبرر لقيس .. لا تعلم حقًا لماذا أصبح أبيها متساهلًا مع قيس هكذا! ما الذي فعله ليتلقى تلك المعاملة المميزة منه؟
عادت فوجدته في السيارة بالفعل، فتح لها الباب فجلست بجانبه وانطلق في طريقه بهدوء، وأثناء ذلك كانت تراقبه بقلق حتى سألته "مالك بقى فيه إيه؟ احكيلي."
رفع كتفيه وضحك فجأة "ماكانش فيه حاجة ده أنا كنت زهقان من المذاكرة وعايز أخرج بس .. ها، تروحي دريم بارك ولا الماجيك لاند؟"
سقط فكها ونظرت له بصدمة .. ماذا عن ملامحه الحزينة والنظرة البائسة في عينيه؟
"يعني أنت كنت بتمثل عليا عشان أخرج معاك؟"
"نبيهة .. بحب فيكِ ذكائك،" ضحك عاليًا وهو يلقي لها بنظرة ماكرة لها ثم مد يده لمشغل الأغاني وفوجئت بأغنية باسمها للشاب خالد حيث بدأ ينشد أغنية مخصصة باسمها.
ضحكت ونظرت له بطرف عينيها فأعطاها ضحكة ماكرة وامتدت يده ليعلي الصوت أكثر وبدأ يغني مع الأغنية وهو يضع يده على قلبه "قلبي بيكِ أنا مشغول .. نحلم بيكِ فياق ونوم ..لالالالا لاي لاي لالليلى .."
وضعت يدها على فمها ثم أنفجرت ضاحكة، لكنها كانت ضحكة خجولة حقًا، لا تستوعب ذلك المجنون الذي قد خُطبت إليه! لم تكن معتادة على هذا بالأساس؛ فجميع الذكور الذين تعاملت معهم بدئًا بأبيها مرورًا بأخيها نهايةً بخطيبها السابق، جميعهم جادون جدًا في تعاملهم وجميعهم عكس قيس.
علقت عسليتيها عليه وهي تضحك لتراقبه يبتسم ويغني مع الأغنية وهو يحرك عجلة القيادة بيدٍ واحدة، تارة ينظر لها ويلقي لها بغمزة وتارة يعود بعينيه إلى الطريق .. وهي في تلك اللحظة تحديدًا شعرت بقلبها ينبض بصورة غريبة وحرارة عالية مرت بجسدها فجأة جعلتها تتنفس بوتيرة سريعة وتبتلع لعابها بصعوبة .. هذا الشعور هي لم تشعر به قط.
ظنت أن الأغنية قد انتهت لكنها فوجئت بأغنية أخرى باسمها يليها ثالثة ورابعة وخامسة .. بدا قيس أنه قد جمع كل الأغاني باسم ليلى ليشغلها لها اليوم، انشغل هو بالغناء وانشغلت هي بالسيطرة على دفعة المشاعر التي انفجرت بداخلها على حين غرة، ولا تعلم متى قد حدث هذا وأين!
كان أدهم يقف في شرفته ممسكًا بهاتفه ويضعه على أذنه مستمعًا للصوت الأنثوي الذي يتحدث من الجهة الأخرى وهو يرفع عينيه إلى السماء بضيق
"سارة، أنتِ مش محتاجة تعتذري عن تصرف باباكِ، خلاص اللي حصل حصل،" قال مقاطعًا وصمت لوهلة ثم أكمل "أنا اللي آسف، أرجوكِ سامحيني."
خرجت داليا لتشرب سيجارة فوجدته يتحدث في الهاتف، كانت ستستدير لتعود للداخل لكن أدهم أشار لها بيده أن تنتظر فوقفت بعيدًا تشعل سيجارته ولم تقصد الإصتنات لكنها استمعت رغمًا عنها
"سارة أظن إن إحنا كدا خلاص، علاقتنا دي مالهاش مستقبل وباباكِ عمره ما هيقبل بيا، لو كملنا يبقى إحنا بنلعب وأنا مش حابب أعمل كدا،" قال بهدوء تام استغربته داليا التي عقدت حاجبيها وطالعته بصمت من بعيد
"تمام .. في حفظ الله،" أكمل وأنزل الهاتف عن أذنه وأغلقه ثم وقف ينظر أمامه لدقيقة حتى حرك رأسه لداليا ورفع كتفيه "كان لازم ده يحصل." فأومأت له الأخرى بتفهم لكنها اقتربت وهي تستفهم
"بس أنت ماكنتش بتحبها؟"
"ما أظنش، هي أول بنت اتكلمت معاها، والعيال كانوا بيجبروني أتعامل معاها باسلوب معين، ماكنتش على طبيعتي معاها عمومًا وكدبت عليها كتير .. هي ما تستحقش حد كان بيمثل عليها."
وافقته داليا وابتسمت "تعرف إنك لطيف جدًا."
بدا متفاجئًا من ثنائها عليه لكنه توتر وشد السيجارة من يدها وتذمر "بطلي سجاير بقى!"
ضحكت وأومأت "هحاول، حاضر." ثم توترت ولملمت شعرها خلف أذنيها "بس سارة مش متضايقة؟"
زم شفتيه بحزن وتمتم "كانت بتعيط، بس تفهمت الموقف." ثم نظر لها وتساءل "وأحمد بيكلمك؟"
نفت برأسها "كلم ماما!"
كانت الأجواء متوترة بينهما الآن والصمت يطغى على كل شيء، أدهم يختلس النظرات نحوها في حين أخفضت هي رأسها لتنظر إلى الشارع حتى فتح هو بابًا للحديث مرة أخرى
"مش تحسي الدنيا دي غريبة؟"
حركت رأسها له ثم استدارت واستندت بظهرها إلى السور وتساءلت "غريبة إزاي؟"
"يعني ساعات بتحصلنا حاجات مابنبقاش عايزينها بس الحاجات دي بتوصلنا لحاجات تانية ممكن تكون كويسة."
صمتت لوهلة وكأنها تفكر في كلامه ثم ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهها وقالت وهي تضع سيجارة أخرى بفمها "ساعات .. بس فيه ناس بيوصلوا لحاجات أسوأ."
شد السيجارة من فمها وألقى بها في الشارع مرة أخرى وأكمل كلامه وكأنه لم يفعل شيء "ما ممكن الحاجة السيئة دي تكون حلوة بس إحنا مش واخدين بالنا؟"
نظرت للسيجارة في الشارع ثم إليه ورفعت إحدى حاجبيها بغيظ فأكمل "ولا أنتِ شايفة إيه؟"
"أنا شايفة إنك هتنزل تشتريلي علبة سجاير عشان أنت رميتلي آخر سيجارتين!"
ضحك ورفع كتفيه ليقول بلا مبالاة "لا."
ثم ترجل لداخل غرفته ليتركها واقفةً تنظر لظهره بفكٍ ساقط وسرعان ما حولت عينيها للشارع نحو السيجارتين الواقعتين بضيق ثم رجعت بعينيها نحو باب شرفته وصاحت "طب أنا بسحب كلامي، أنت مش لطيف ولا نيلة."
كان أحمد ليعطيها سيجارة الآن! وبذكر أحمد فهو قد اتصل بوالدتها لمرتين حتى الآن، يتصل ليسأل عن صحتها ولا تعلم في ماذا يتكلمان حقًا لكنها تسمع ضحكات أمها فقط! لم تستطع عدم الشعور بالتوتر والغيرة والضيق ولم تستطع عدم التفكير في أنه يحاول التقرب من أمها!
تحركت نحو الداخل وتوجهت إلى المطبخ لتعد شطيرة لها كي تأكلها وتكمل مذاكرتها، وقفت تحرك عينيها يمينًا ويسارًا وهي تفكر ماذا تُعد للأكل؟
بعد خمسة دقائق جاء صوت جرس انذار الرسائل من هاتفها فلعقت بعض الكاتشب العالق في إصبعها والتقطت هاتفها وفتحته لتجد أنها رسالة من أحمد، عقدت حاجبيها وفتحتها ..
وجدتها صورة مضحكة وقد أرفقها برسالة [افتكرتك لما شوفتها.] مع بعض الوجوه الضاحكة.
ابتسمت وبدأت بالنقر على هاتفها وأرسلت له بعض الوجوه الضاحكة هي الأخرى ثم وضعت الهاتف جانبًا.
لكنها لم تلبث أن سمعت صوت رسالة أخرى فالتقطته وفتحتها لتجدها صورة أخرى، لكن هذه المرة عن فتاة غامضة من الخارج وبجانبها صورة لقطة لطيفة من الداخل
[أنا مش قطة من جوايا على فكرة.] نقرت وأرسلتها له وسرعان ما ظهر أنه يكتب ثم جائتها رسالته [قطة على فكرة.]
ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهها وهمت بالرد عليه ليدخلا إلى تلك المجادلة التي كان هدف أحمد منها أن يتواصل معها من جديد وهدف الأخرى منها أن تثبت له بأنها ليست لطيفة كما يعتقد .. لكنها خسرت بالنهاية وصمم أحمد على موقفه بأنها قطة لطيفة مسالمة من الداخل وانتهى بها الأمر تضحك وتتذمر بأنها ليست هكذا، فيجيبها الآخر بأنها هكذا وبأن الإنكار يجعلها تبدو لطيفة أكثر.
[طب أنا هقوم دلوقتي ورايا مذاكرة.] قال فنقرت على هاتفها بضيق [آه .. أنا كمان رايحة أذاكر، سلام.].
أغلق هاتفه وفرد جسده على تلك الأريكة التي يجلس عليها أخيه بجانبه، والذي تساءل "هو أنت مش مخلص مذاكرتك؟ قفلت معاها ليه؟"
ابتسم الآخر بتوسع ونظر له نظرة خبير وهو يجيب "بص يا مراد .. ماينفعش تلزق للبنت طول الوقت .. وبرضه ماينفعش تبعد عنها طول الوقت، لا ... خليك بين البينين، تبقى موجود لفترة معينة وفي الفترة دي حسسها إنها أهم حاجة عندك، وبعدها امشي وخليها تعرف الفرق بين وجودك وعدم وجودك .. يعني أنا مثلًا هموت وأكمل كلام مع داليا من مدة طويلة كمان، بس هل لما أعمل كده دلوقتي هيوصلني لهدفي؟ لا."
عقد حاجبيها واستدار له بكامل جسده "فهمتك .. طب وبعد الوصول للهدف؟"
"عادي براحتك بقى بس خدلك برضه حبة وقت كل فترة كده تبعد عنها شوية عشان أنت مشغول في كذا حاجة، هما بيحبوا كده، لعبة القط والفار ... أما اللي لازقلهم في أي وقت ده بيرموه وبيزهقوا منه."
أومأ مراد مقتنعًا لكنه ورغم ذلك جادل "طب افرض هي احتاجتني في الوقت ده؟"
"يبقى تسيبك من كل حاجة وتبقى جنبها لأن ساعتها هتكون هي اللي طالبة ده وعدم تلبيتك لطلبها هتفسرها إهمال وعدم اهتمام بيها."
ابتسم مراد ابتسامة ماكرة ورفع عينيه للأعلى ثم عاد ونظر لأخيه ودفعه في كتفه "وأنت بتعمل كده ليه مع داليا؟"
"عايزها تحبني زي ما بحبها،" أجاب أحمد ببساطة وهو يرفع كتفيه فتساءل الآخر "بس هو مش المفروض الحب حاجة بتيجي بدون تخطيط وكده؟"
ضحك أحمد وأومأ موافقًا "بتيجي بدون تخطيط معانا كرجالة، بس لو قعدنا نستنى الموضوع ييجي بدون تخطيط معاهم كبنات يبقى إحنا أغبيا، ليه؟ لأن إحنا المطاردين وهما الفريسة، الأسد لما بيجوع بيقوم ويطارد الغزالة لحد ما توقع ويفوز بيها، أما لو قعد استنى الغزالة تيجي لحد عنده فممكن يموت من الجوع، إلا لو غزالة عبيطة مثلًا."
ثم أكمل "وبالنسبة لداليا فهي مش غزالة عبيطة بالعكس، دي غزالة خايفة أصلًا .. يعني قاعدة على أهبة الاستعداد وبتبص يمين وشمال عشان لو لمحت أسد بيقرب تهرب منه بسرعة! فحتى إسلوب المطاردة الطبيعي بتاع أي رجل طبيعي خلقه ربنا مش هينفع معاها .. داليا عايزة حد عارف هو بيعمل إيه كويس أوي .. وحظها وقعها فيا."
رمقه مراد بذهول، هو حقًا لو يستوعب كيف أن أخيه لديه تلك المعلومات الكثيرة في هذا الشأن! وكأنه خبيرًا فيما يفعل وفيما يقول .. لكنه تذكر غادة وعاد ليستفسر
"طب لو عايز أعلق غادة؟"
ضحك أحمد بصخب وسخر "لفتت نظرك بطبق المحشي طبعًا!"
صمت فأكمل أحمد وهو ينهض ليربت على كتفه "من خلال خبرتي أقدر أقولك أنت مش محتاج تعلق غادة، أنت علقتها بالفعل، فياريت تحاول تجر معاها كلام وتتجوزها لأحسن أمك هتبيض وتجوزك." ثم تحرك بعيدًا
"على فكرة هتجوزك أنت كمان،" قال مراد فتصنم أحمد في مكانه واستدار لمراد "بجد؟ هي قالتلك كدا؟"
أومأ مراد "بس لو نجحت."
سقطت ابتسامة أحمد وحك رأسه وهو يتمتم بضيق "إن شاء الله.".
في الثامنة مساءً كان قيس وليلى يخرجان من حديقة الملاهي، وهو يمد يده لها بحلوى غزل البنات "هتآكلي دي كمان يعني هتآكلي دي كمان."
ضحكت وهرولت مبتعدة وهي تردف "لا." فهرول خلفها حتى لحق بها ووقف أمامها "خلاص بجد، مش هشتريلك حاجة تاني، دي آخر حاجة."
نظرت له بأعين طفولية وترجته "قيس .." فقلدها بطريقتها "ليلى .."
تنهدت بيأس وأخذت منه الحلوى فابتسم وتمتم "يلا عشان نروح، هشام هاريني مكالمات من الصبح.".
ترجلا معًا للمكان الذي ركن فيه سيارته وبينما هما قد وصلا إلى مكان السيارات وجدا ثلاثة شباب يستندون على سيارة في المقدمة
"ده إيه القمر المحتشم ده،" قال الشاب الذي يقف في الوسط بين إثنان آخرون
جفلت ليلى وتوقف قيس عن المشي، رفعت رأسها له بخوف لأنها وجدته يعقد حاجبيه وملامحه متجهمة
شدد على فكه واستدار وهو يكور يده على شكل قبضة فأمسكت ليلى بذراعه وهمست له بنبرة مترجية "قيس بالله عليك بلاش مشاكل."
نظر لها ثم للمجموعة وأحس بأنه لو افتعل شجارًا وليلى معه فلن يكون الوضع جيدًا وهو لأول مرة في حياته يسيطر على غضبه ولا يفعل أشياءً متهورة.
أمسك بيدها واستدار متحركًا بعيدًا لكنه سمع ضحكات المجموعة وصوت الشاب في المنتصف يقلد صوت ليلى ساخرًا "شاطر يا قيس."
رمقه قيس بطرف عيناه وصدره بدأ يعلو ويهبط لكنه قابل أعين ليلى الخائفة فأعطاها إيماءة بسيطة وأكمل تحركه حتى وصل إلى سيارته وفتح لها الباب
جلست براحة لأنها أدركت أن الأمر قد انتهى لكنها فوجئت بها يوصد الباب ولا يدخل ثم حذرها "أيًا كان اللي هيحصل ماتخرجيش، تمام؟"
"قيس، بالله عليك بلاش مشاكل!" ضربت الزجاج بيدها لكنه قد تحرك بعيدًا بالفعل وهو يستجمع كل ذرة غضب بداخله
وجدته تلك المجموعة أمامهم فجأة وفي ظرف ثانية واحدة كان قد لكم الذي في المنتصف في منتصف وجهه وهو يسخر "أنا مش شاطر للأسف.".
كانت ليلى في سيارته تجلس بقلبٍ مرتجف والدموع تنساب من عينيها ببطء وجسدها يرتعش بخوف ولم تستطع سوى البكاء بصمت وهي تنظر يمينًا ويسارًا.
بعد ربع ساعة وجدت الباب يُفتَح ويجلس قيس في مقعد السائق، رفعت رأسها له فوجدت سترته متلطخة ببعض الدماء وهناك دماءً تلطخ أنفه -لكنها متوقفة- وثغره كان مبتسمًا!!!!
"بتعيطي ليه؟ ماحصليش حاجة!" قال بهدوء وهو يلتقط أنفاسه
"أنت أتجننت؟ أنت إزاي تعمل كده؟ افرض كان حصلك حاجة؟" صرخت في وجهه من بين شهقاتها
قهقه بخفة ورفع يده يمسح فمه وهو يجيب "ما كانش هيحصلي حاجة، دي عيال عندها أنيميا وبيضربوا مخدرات ومش قادرين يصلبوا طولهم حتى."
نظرت له بأعين مغرورقة بالدموع فسقطت ابتسامته وأدرك بأنه أرعبها وبأنها كانت تجلس هنا بمفردها وهي تشعر بالهلع لكون قد ذهب ليتشاجر
"يعني عايزاني كنتِ أعمل إيه؟ ادأسمعهم بيعاكسوكِ وأسكت؟" حاول إعطاءها سببًا فصرخت في وجهه
"أنت مابتقدرش تسيطر على غضبك وبتعمل حاجات متهورة وأنا مش هينفع أبقى ماشية معاك وحاسة إنك هتنتهز أي فرصة عشان تتخانق! حرام عليك أنا كنت مرعوبة وخايفة!"
أخفض رأسه بندم وسب نفسه في عقله فأكملت هي بكاءها حتى أصبحت شهقاتها مسموعة
"افرض كان جرالك حاجة؟ كنت هعمل إيه أنا وأنا لوحدي؟" أكملت بنبرة متحشرجة فاعتدل في جلسته واقترب منها، اصطدمت به يمسك بيدها وهو يهمس "طب بطلي عياط .. مش هعمل كدا تاني."
كانت في حالة لم تسمح لها بالتركيز حقًا لكنها جفلت عندما شعرت بشفتيه على كفها من الداخل وهو يهمس "والله ما هعمل كدا تاني."
سحبت يدها بتوتر منه فاستقام ومد يده ليلتقط منديلا من علبة المناديل الموضوعة على مقدمة السيارة، ثم مد يده ليمسح به وجهها حتى توقفت عن البكاء وهدأت
"بحبك،" همس فجأة فرفعت رأسها له وفوجئ بعينيها تترقرق من جديد فسارع بالمزاح "لا ماتعيطيش تاني! طب مابحبكيش على فكرة .. أنا كداب أساسًا."
ضحكت رغمًا عنها ومسحت عينيها بطفولية ورفعت سبابتها في وجهه "توعدني إنك مش هتتخانق تاني؟"
أومأ لها بهدوء ليجيب بصدق "مش هتخانق تاني."
ثم حرك رأسه للأمام ومد يده ليدير المفتاح وحرك السيارة ليخرح بها بسلاسة ويمضي في طريقه.
__________________________________
الرواية في طريقها إلى الانتهاء، حبيت أقولكم بس ☹️
متوقعين النهاية شكلها عامل إزاي؟